adsense

2018/09/06 - 8:43 م


بقلم الأستاذ حميد طولست
كثيرة هي الشعوب التي تنتفض ضد سوء أحوالها الاجتماعية والإقتصادية ، وعديدة هي التظاهرات التي تنخرط فيها جماهيرها للتنديد بما وصلت إليه أوضاعها من مستويات الهشاشة، ومتنوعة هي الشعارات المطلبية التي ترفعها للمطالبة بتغيير أحوالها المزرية، لكنها كثيرا ما تعجز على خلق وعي جماعي عام ضاغط تجاه القضايا المتظاهر من أجلها ، لأسباب متنوعة ، على رأسها ، تعامل المحتجين مع الشعارات المرفوعة بحسن نية وسذاجة طفولية فطرية ، وما تحمله من تخلف وابتذال في شكلها،  وإسفاف وضحالة  في مضموناتها ، وتركيز في غالبيتها على إعتباطية مبدأ "لا ضر ولا ضرار-كما يقولون – الذي لا يعبر على جوهر رغبات المحتجين، والذي يجعلها"الشعارات" تبقى على حالها ، لا تراوح شكلها الساذج ، ولا تفارق أسلوبها البسيط غير الجريئ ، الذي لا يعرف تطورا مهما في مضمونها، والتي لا تساير أوضاعهم الاجتماعية ولا تأحذ تبدل أحوالهم الاقتصادية والسياسية والثقافية وحتى الدينية بعين الاعتبار، والتي لازالت ترفع إلى اليوم بنفس الوثيرة البليدة والمختلقة الموروثة ، التي يراد بها عادة تعويم مطالب المتظاهرين المشروعة ، والدفع بهم إلى الانكفاء عن الجاد والأساسي منها ، كاستقلالية المؤسسات ، ومواجهة الاستبداد والتسلط والظلم والفساد بها، وإصلاح المنظومة السياسية ، وغيرها من الشعارات المطلبية الأخرى المستحوذة على إهتمام الناس ، وذلك لأهداف سياسية تفاوضية بين الدول والنقابات ، للتغطية على فضائح السياسيين وكبار المسؤولي ، وتلكؤهم في القيام بواجباتهم تجاه المواطنين الذين فقدوا الثقة بالطبقة السياسية بمختلف أحزابها ولوبياتها ، ومن معظم المسؤولين الذين كانوا وراء إتّساع رقعة السلبية التي عمت البلاد ، والذين عملوا ، بمختلف مناصبهم ودرجاتهم ، ليس على إبقاء  دار الاستبداد والتسلط والظلم والفساد والبطالة والفقر على حالها فقط ، بل وكانوا سبب ارتفاع منسوب حالة اليأس والإحباط لدى المواطنين ، فوق ما كان محتملا  على مضض ، قبل الخمسة عشر أو العشرين سنة الأخيرة .. الواقع المزري والغير مرغوب فيه ، الذي تحول اليوم ، إلى طاقة دفع لتجاوز ازمة الشعارات الجامدة والمقتصرة على الهتافات الغبية "هذا عار هذا عار" أو " باركا مالويسكي راه الشعب تيبكي" والتي لم تعد كافية لإشباع تطلعات المتظاهرين خاصة منهم الشباب ذوي القدرة الفائقة المهارة الخارقة على تطوير تلك الشعارات من وراء حواسبهم ، واستبدالها بنوعية جديدة فعالة ومواكبة لظروف المتظاهرين، وقادرة - بما تحمله من رسائل خطيرة وواضحة عن سوء أحوال المواطنين وهشاشة أوضاعهم -على التحول إلى سلطة قوية وذات أثر فعال في تشكيل وعي المحتجين وتحديد نمط سلوكهم ومواقفهم تجاه المسؤولين والقادرة على الدافع بهم للإسراع بتلبية مطالبهم ، وتحقيق ما يصبون إليه من تغييرات نوعية في أوضاعهم الاجتماعية والسياسية والثقافية اللازمة لبناء المجتمع ، والتي كانت وراء بلورت نمط التظاهر الجديد ذي الوقع الكبير والأثر الخطير ، والمتمثل في المقاطعة التي تعد - رغم عفويّتها وعدم وجود قيادات ميدانية فاعلة لها، وبعدها عن المرجعيات الحزبية والدينية والطائفية والقومية – من أكبر التظاهرات التي عرفتها الحركة الإحتجاجية بالمغرب ، وأكثرها إتّساعا ، وأفضلها تنظيما وسلمية، وأعظمها زخما من حيث الشعارات الأكثر إقلاقا للمسؤولين من كل الشعارات التي رفعت خلال كل التظاهرات التي حدثت  في البلاد قبل عقود.

إرسال تعليق