adsense

2018/09/30 - 11:16 م

بقلم الأستاذ حميد طولست
مؤلم جدا ما نراه من تزايد كفر المواطنين المغاربة ، على مختلف فئاتهم العمارية والجنسية وتوجهاته السياسية والثقافية والمذهبية ، بالإنتماء الحزبي ، وموجع كثيرا ما نلاحظه من تضاؤل رغبتهم في الإنضمام إلى المنظمات النقابية ، ومؤسف ما نلمسه من تضخم ظاهرة عزوفهم عن المشاركة في الحياة السياسية ،  والأكثر إيلاما ووجعا وأسفا من كل ذاك ، أن تكون تلك الأحزاب والنقابات ، هي نفسها ، من أهم أسباب تردي اوضاعها ، وتراجع أدوارها في نشر الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي بين المواطنين و تمثيلهم ،  وأن تكون هي بعينها أكبر أداة لدفعهم -بما فيهم منخرطوها- إلى الإحساس بالغربة والتهميش ، والمعيب أكثر هو أن يحدث لها كل ذاك بيدها -لا بيد عمر، كما يقلون – اليد التي غيبت كل آليات ممارسة الديمقراطية بها ، لتُمكِن قلة قليلة من الوجهاء والموسرين من تصدر مراكزها القيادية ، والسيطرة على مشهديها الحزبي والنقابي ، بلا والمعايير ولا مقاييس تحدد مباذئ المساواة والإستحقاق ، غير الكذب والنفاق والتدليس والدجل والإزدواجية التي لا تضمن تداول السلطة ، ولا تبيح لغير نخبتهم المحضوضة بالمشاركة في القيادة على قدم المساواة معهم ، حتى وإن كان غيرهم أوفر علما أكثر حنكة وورعاً واخلاقاً ومصداقية واعمق نضالية وتضحية منهم ، ما حول أكثرية الأحزاب والعديد من مركزياتها النقابية في بلادنا إلى مجرد دكاكن تغص بقطعان الدهماء والغوغاء والجهلة بدور الجزبية وقواعدها ، ويقودها سماسرة وانتهازيون وأصحاب مآرب شخصية ، لا يثقنون غير النميمة وتزوير التاريخ وتزيف الوعي وصناعة الغباء الجمعي ، وشرعنة الاستبداد والتستر على الظلم والمتاجرة بأحلام العباد وبؤسهم ، واستغلال أزمات البلاد ، بدل الأخذ بيد الوطن والمواطن إلى بر الأمان ، ما جعل مقولة المرحوم الحسن الثاني الشهيرة :"كان بإمكاني مسح كل الأحزاب السياسية ، لكن اتركها ليعرفها المغاربة " تنطبق على حال غالبيتها تمام الانطباق ، وتتحقق نبوءته ،رحمه الله ، على أرض الواقع وأمام المغاربة قاطبة ، حيث تعرت سوءت الكثير منها على الملأ ، وسقطت مصداقية العديد من رؤسائها الذين اختصروا العمل الحزبي في الإنبطاح والارتزاق من أجل الريع والاستوزار ، وانكشف تبجح الكثير من قادتها بانتزاع حقوق المواطن المغربي والعمل على رفاهيته وترقيته ومحاربة الفساد والمفسدين ، الذين حولوا غالبية الأحزاب إلى عبئ ثقيل يدفع بالمواطن العادي قبل المسيس إلى الهروب منها إلى غيرها لحل مشاكله الخاصة والعامة، بعد أن نسيت هي وعودها بالنضال من أجل تحريره من براتين الفقر والتهميش، وتركته عرضة للضياع.
وكما يقال :"أن الحلال بين والحرام بين"، فإن الحزبية هي الآخرى بينة وواضحة ، لأنها انتماء لا يحتاج لمساومة ، وعطاء لا يحتاج لمزايدة ، وتضحية لا تحتاج  لشعارات رنانة ، وقدوة ليست في حاجة لمجادلة عقيمة أو كلام منمق وخطب مزوقة ، وأن سلوكيات قادتها إمارة على مضمونها  -كما الدار في المثل المغربي ، إمارتها على بابها- وأن نضاليات منخرطيها دليل على مصداقيتها ، المصداقية التي ضربها في الصميم مرض إزدواجية السلوك والمعايير ، الذي يحمله جل رؤساء الأحزاب وكل من يسبح في فلكهم ، الذين يتمتعون بمقدرة فائقة المهارة على إخفاء مرضهم عن الناس والمنتسبين لأحزتبهم ، حتى يبدون قادة وزعماء مثاليين في ما يقولون ، والذي لا يكشفه ،و لا يفضح حقيتقهم المناقضة للصور البراقة التي يروجونها  عن أنفسهم، إلا  طريقة ممارستهم للسياسة الريع والمناصب التي أصبح الملك محمد السادس لا يثق فيها ، والذي عبر عنه بشكل واضح في خطابه بمناسبة عيد العرش سنة 2017 أنه أصبح “غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟
وخير مثال على ذلك ما عرفته الساحة السياسية مؤخرا ، من ترشح امحند العنصر للمرة العاشرة ، للأمانة العامة لحزب "الحركة الشعبية" التي قضى على رأسها 32 سنة ، ليخلف نفسه عليها ، ضدا في الإشارة الواضحة التي بعثها الملك محمد السادس إلى الأحزاب السياسية، في خطاب عيد العرش لتحفيزها على تعبئة الشباب للانخراط في العمَل السياسي ، والتي جاء فيها أنَّ "هذه الأحزاب بحاجة ماسّة إلى ضخّ دماء جديدة في هياكلها، لتطوير أدائها، باستقطاب نُخب جديدة وتعبئة الشباب للانخراط في العمَل السياسي".
خلاصة القول ، أنه لن تقوم للأحزاب قائمة إذا ما أصرّ قادتها وزعماؤها على اختزال مفهومها في الحصول على المناصب دون الاهتمام بالمنتسبين إليها وتهميشهم لحسابات سياسية أو شخصية ، وأكرر لكل هؤلاء ما قاله لهم ملك البلاد  :" كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون".

إرسال تعليق