adsense

2018/09/24 - 11:15 م

بقلم الأستاذ حميد طولست
لم يعد مجتمعنا كما كان من ذي قبل ، مجبولا على حب الوطن شغوفا بالانتماء إليه، وأضحى اليوم منتجاً لكل الظواهر المستهجنة القبيحة التي يصعب حصرها، والتي على رأسها جميعها تزايد كفر بعضنا -على اختلاف فئاتهم العمارية والجنسية والعرقية ، وتنوع مشاربهم الثقافية والسياسية والدينة - بما تربينا عليه من عشق للوطن ، وما كبرنا عليه  من حب له ، وترعرعنا عليه من خالص الولاء لقيمه أخلاقه ، كأعظم وانبل ما عرفته الإنسانية من الولاءات وأرقى ما خبرته من مظاهر المواطنة ..
فكم هو مؤلم ما أصبحنا نراه في السنين الأخيرة من تضخم ظواهر التنكر لما تعلمناه ، من روايات الجدات وحكايات الأمهات ونحن أطفال صغار، من مشاعر الوفاء وصدق الانتماء ، و الجحود بما تشبعنا به على يد الآباء والأجداد ، من قيم الوطنية المجردة من النفعية الذاتية والانتماءات المصلحية .
فعلا كم هو مؤسف و معيب ما غدونا عليه من غض الطرف عن كل ما درسناه في الكتب الجامعية عن مفاهيم الوطنية واستنباطات معانيها المؤججة لعواطف التعلق الصادقة ، ونسيان ما قرأناه في الكتب المدرسية عن مضامين المواطنة وتعمقت مدلولاتها ومفهوماتها ..
نعم إنه موجع وميؤلم ومؤسف ومعيب ألا تبقى قلوب بعضنا ثابتة على عشق الوطن ، صادقة في حبه ، متفانية في الولاء لثوابته ، لا تقبل المساس به ، ولا تتساهل في تعرضه لأي تشويه ، صابرين ، يتحملون من أجله أذى منتحلي الوطنية ، الذين ضعفت مشاعر الوفاء للوطن في نفوسهم ، وشحت عاطفة الوطنية في قلوبهم ، واضحى الولاء والانتماء عندهم مصلحة وإنتهازية ومطالب ارتزاقية متضخمة ، وأضحوا كلهم تأهب لخيانة ما توارثناه من قيم الوطنية ، وباتوا على استعداد لمعاندة ما نشأ عليه مجتمعنا من مبادء الولاء ، ومخالفة ما لا يجوز الاختلاف فيه من معاني الوفاء والتعلق ، وتعريضها للاجتهادات الخاطئة ، وإلباسها لبوس التوجهات الطائفية المقدسة للتيارات الأجنبية ،  والمعظمة لشخوصها الباهتة ، على حساب رموز الوطن ومرتكزاته ، وذلك باسم دين زائفة ، وتحت غطاء شرعي ، ما أنزل الله بهما من سلطان ، والمتمثلة في خرافة "المشروع الحضاري الإسلامي" المرادف لدى الأصوليين والوصوليين الاسلاميين ، للوطنية والمواطنة والوطن ، كما يستشف ذلك من التصريحات التراجيكوميدية المستفزة للكثير قادتهم من محبي السلطة ، ورعاة الكراسي، وحملة ألوية تشويه الدين وتزور التاريخ ، والذين على رأسهم شيخهم "القرضاوي" الذي يحتقر محبة الوطن ، ويعتبرها مجرد "رابطة طين وتراب" لا ترقى لرابطة وعقيدتها جماعته ، التي تؤمن بأن الوطن صنم لا تصلح عبادته ، والتي خرجت علينا فئة منهم -ممن يعيشون معنا في كنف هذا الوطن المعطاء ، ولا يهمهم سقوطه في الهاوية ، لأن ولاءهم ليس خالص له - ، في إنبطاح مرتزق مقيت ، داعية لمساندة تركيا وليرتها ، وكأن تركيا هي وطنهم ، وأن في أعناقهم بيعة لرئيسها لا يمكن  نقضها أو التراجع عنها.
إنه والله لأمر مثير للشجن، ومستفز للمشاعر، ومحطم للأعصاب أن تتراجع قيمة الوطن ، وتُفقد الصلة به ، ويُزهد في حبه ، ويُترفع عن معانقته واحترامه ؛ وإنها لوضعية استفزازية ومثيرة للحزن ، أن يتعامل مدعو الطهرانية الكاذبة من أبناء حركة الإسلام السياسي ، مع أزمة بلد أجنبي بكل هذا التعاطف الأيديولوجي ، وذاك الشحن الديني ، لتلميع صور شخوص أجنبية لا تعترف بوطنهم ولا برموزه.
وضع خطير وتحدٍ مخيف ومصيري ، لا يفيد فيه ومعه الأساليب الملتوية، ولا الكلام المعاد ولا الشعارات القديمة ، ويحتاج لـ"ضربة معلم" -كما يقول المصيون - لإرجاع الأمر إلى نصابه ، والذي لن يتأتى إلا بوقوف جميع محبي الوطن سياجاً منيعا في وجه من ومايهدد سلام واستقرار البلاد سياسيا واجتماعيا وإقتصاديا ، ويدفعوا بكل قوة لفضح ما يحاك ضد وطنهم ووحدته من مؤامرات داخلية ، والتي هي أشد وأخطر عليه من المؤامرات الخارجية ، كما نجد في كتب التاريخ بأنّ الحصون والقلاع، غالبا ما تسقط  من الداخل، وليس من الخارج ، رغم اهتمام حكّامها ببناء الأسوار والموانع المحصّنة لصد أعداء الخارج ، لكن نسيان بناء إنسان الداخل ، على الإخلاص لوطنه ، والإستعداد للموت من أجل استقلاله ،  فتحول لخائن يعين الغزات علىاحتلال بلاده دون حاجة منهم لهدم أسوارها المحصّنة ، كما في مقولة  المرحوم الحسن الثاني البليغة : "إذا أردت تحرير وطن فضع في مسدسك 10 رصاصات تسع للخونة وواحدة للعدو فلولا خونة الداخل ما تجرأ عليك عدو الخارج" ، وفي نفس السياق تحضرني طرفة للمرحوم المفكر المغربى المهدى المنجرة حول بناء سور الصين العظيم والتي يقول فيها : عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا فى أمان، بنوا سور الصين العظيم لاعتقادهم بأن لا أحد سيستطيع تسلُّق علوه الشاهق لكن خلال المائة سنة الأولى التى أعقبت بناء السور تعرضَّت الصين للغزو ثلاث مرات، دون حاجة لتسلُّق أو اختراق السور، إذ كان الغزاة يكتفون بدفع الرشوة للحّراس الذين كانوا يفتحون لهم الأبواب فيدخلونها، لأن الصينيين انشغلوا ببناء السور العظيم ونسوا  بناء الحراس..
وعليه فإن أقل ما يمكن فعله لإصلاح ولو نسبة ضئيلة جدا من الضرر البشع الذي يتسبب فيه مدعو محبة الوطن ، هو فضح ادعاءهم بأن حدود الدول وهمية، وان الحدود الحقيقية التي يلتزم بها المسلم هي حدود الله التي ألزمنا بها نصاً ، و المخالفة تماما لدين الله الصحيح وشرعه القويم ، وسنة نبيه الصحيحة ، التي قرنت حب الوطن بالإيمان وجعلت الولاء له مبدأ شريفا ومن أرقى مظاهر المواطنة الصالحة..

إرسال تعليق