adsense

2018/05/07 - 8:59 م

بقلم الأستاذ حميد طولست
النكتة ترياق يُمكن الإنسان من إيجاد التوازن النفسي بين الواقع الذي يحياه والأمل والطموح الذي يرغب في تحقيقه ، مشاتلها الكوارث ومستنبتاتها المصائب ، وهي متاحة ومشاعة بين جميع بني البشر ، وغير خاصة بمجتمع بعينه ، حيث نجذ أن لبعض الشعوب القُدرةً الفائقة على استحداثها أكثر من غيرها ، كما هو حال المصريين الذين هم أبرع من ينحتها بسرعة البرق ، ويستحدثها في مختلف الظروف ، وحال المراكشيين الذين اشتهروا هم أيضا بنَّكاتهم المتميزة ومستملحاتهم الظريفة وطرائفهم اللطيفة ، التي ترفه عمن تعوزه جرعات الابتسام والضحك ، وتشفي من به داء الإحباط ، والقهر، والظلم، وغياب الحريات.
وإنَّ صناعةَ ونحت النّكات بقدر ما هو إبداع أدبي شعبي وفلسفةٌ مجتمعية ، بقدر ما هو عند الكثير من الشعوب -بما فيها الدول الديكتاتوريات - وسيلة احتجاج ساخرة على السلطة الحاكمة ،يضمنها الدستور، للدفاع السلمي عن الحقوق والحفاظ على المكتسبات ، ورسالة من الشارع العام لكل من اعتاد على استنزاف الصبر والسلمية التي تميز بها المغاربة المسالمين وليس المداويخ كما في اعتقاد بعض المسؤولين الكبار المفروضين على تسيير شؤونه العامة .
كما حو حال حملة المقاطعة الواسعة ، التي أطلقها ،قبيل أيام ، ناشطون ومدونون مغاربة ، عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ، والتي أثبتت أنهم قادرون بنضالهم الفيسبوكي على تعبئة الجماهير وتحريضها، ضد غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، ويصبح واقعا اجتماعيا يلاقي قبولا وذيوعا واسعين في صفوف المتضررين من الشعب ، ويجعل منها اليوم - رغم ما تعرضت له من سخرية واستهزاء ونعوت -جوهر كل نقاش وحوار فكري واجتماعي واقتصادي وسياسي ، مفروض سواء على مناصريها، أو المشككين فيها، أو المناهضين لها .
وليست المقاطعة المغربية أمر مستحدث، بل هي شبيهة لما حدث قبلها في كل من تونس والجزائر ، حيث قاطع التونسيون في البضائع المستوردة من تركيا وفرنسا بسبب طغيان المنتوجات الخارجية الصنع وتزايد الإقبال عليها على حساب المنتوجات المحلية التونسية، وقاطع الجزائريون قطاع السيارات الذي عرف ارتفاعا مهولا في الأسعار ، وقد اعتمد المقاطعون في حملتهم على هاشتاغات وطرائف ونكات وأشعار ورسومات الكاريكاترية وشعارات مزلزلة ، زعزعت عروش الشركات المتحكمة في السوق ، وكسرت احتكار صناعة الرأي العام ، وفندت ما أنتجته عبر وسائل الاتصال الرسمية الراديو والتلفاز والصحيفة والجامع، خطاب "الحقيقة الواحدة" الذي ساهم بشكل مباشر ورئيسي في خلق ما ساد البلاد من ثقافة السلطة السياسية الحاكمة على مدى عقود ، قبل أن يبدأ ما سمي بــ"ثقافة المقاطعة" -المعبرة عن مستوى النضج والوعي الشعبيين- يطفو على السطح ، ويتخذ أشكالًا شعبية مخالفة لما ألفه المواطن المقهور من سياسة "النعامة" وعشقه حد الإدمان ، وتفاعلت معها فئات عريضة من الشعب ، نوعًا واتساعًا ، معتمدين في ذلك على الهاشتاغات والطرائف والنكات والأشعار والرسومات الكاريكاترية والشعارات المكتوبة والمنطوقة ، التي أبدعها نشطاء الفيسبوك كنوع إبداعي أدبيي شعبي جديد وجاد ، ملأ صفحات العالم الأزرق على مستوى الصورة والفيديو والأغنية والنكتة والحوار ، والذي ينبغي دراستُه في رسائل وأبحاثٍ علمية، لتوضيح مدلولاته النفسية  والاجتماعية  والأدبية ، التي لم يكن قط الهدف منها محاربة الشركات الوطنية –كما يدعي البعض- بقدر ما  هو للدفع بتلك الشركات إلى إعادة النظر في خططها ، وعقلنة أثمنة منتجاتها ، والحد من احتكار السوق المغربي بالشكل الذي يضمن احترام الشارع لما تنتجه بجودة عالية وأثمنة معقولة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الواقع المواطن المغربي ، وشح السياسة الحكومية في دعم الفقراء والطبقة المتوسطة ، بعد إقبار صندوق المقاصة، وارتفاع البطالة، ومن تلك الهاشتاغات والطرائف والنكات والأشعار والرسومات الكاريكاترية والشعارات الكثيرة والتي لا يمكن حصر عددها ، أنقل هذا النزر القليل جدا على سبيل المثال لا الحصر:
وأبدأ بنكتة معبرة عن مدى تأثير المقاطعة : قالت واحد البنت لحبيبها هاذ المرة شوفنا شي بلاصة خاويا باش ما يشوفناش شي واحد كيعرف با أو خويا ، داها لمحطة افريقا.
أما الهتاغات والشعارات والحكم فحدث ولا حرج:
ثورة المداويخ تكتب التاريخ .
كلنا مداويخ .
حارب الغلاء بالإستغناء.
"أتاي البايت ولا حليب الشمايت ".
اللهم حليب القرة ولا حليب الحكرة.
الشعب يريد تخفيض الأثمان وماشي تقديم الأعذار.
مدوخ من المداويخ ولا شفار من الشفافير.
مقاطعون ولو كان الشيطان هو صاحب الفكرة.ـ
"حالف ما نزيد نتقهر وفالمقاطعة نستمر" .
تحكم فجيبك يا المختار ،وعرف أش تختار.
الحليب هرقوه والمازوط حرقوه.
الماء ديال الله (الماء ماء الله)
وكما هي العادة أنه ليس هناك فعل دون ردة فعل ،الأمر الذي أخرج بعض المعارضين والمعاكسين لإرادة الشعب والطعن في حملته لأسباب يرون أنها قويمة ،  وعلى رأسهم مدير شركة الحليب المقاطعة ، الذي اتهم المقاطعين بأنهم خونة للوطن، والوزير الذي وصف الجماهير المقاطعة من داخل قبة البرلمان بعبارة (مداويخ) أي مغفلين، والبرلمانية الاشتراكية التي نعثت المغاربة بالقطيع ، وكذلك البرلماني الذي يسميه الفيسبوكيون بــ"مول الكراطة" الذي اتهم المغاربة بأنهم "جيعانين وماكيشربوش لحليب "، وغيرهم من المشاهير والصحفيين الذين تقاعسوا عن تبليغ مطالب المقاطعين المشروعة ، والذين لم يعيروا المقاطعة أي اهتمام ، وكأنها حدث يقع في جزيرة "الوقواق" كما يفضح ذلك تصريح أحد وزراء حكومة العثماني –الذي يتهرب هو الآخر من التعليق على المقاطعة –قائلا بأن مقاطعة الغلاء لا تعنيني ولا يمكنني الخوض والحديث فيها" ، وغيرها من ردود الأفعال المتشنجة واللامسؤولة التي لم يجارِ جمهور المقاطعين الراقي أساليبها اللأخلاقية التي مارسها المعارضون ، من سب وقذف وصل إلى حد الدناءة الرديئة .
وأختم بهذه الخلاصة المرة ، التي تقول أن هذه المقاطعة التي ما كانت لتنتشر في كامل البلاد لو لم يعم البلاد الإحساس بالقهر والظلم، والافتقار لأبسط الحقوق والحريات ، بينت وبالملموس بأن مصير الشعب بات بيده، وأنه لم يعد ينتظر من الأحزاب السياسية والنقابية والمؤسسات المنتخبة أن تدافع عن حقوقه ، وأنه قادر على تأطير نفسه بنفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي .

إرسال تعليق