adsense

2017/08/14 - 7:58 م


بقلم الأستاذ حميد طولست


صحيح أنه لكل موسم فضائحه، ولكل فضيحة موسمها الخاص بها، وأنه ما أن يهل موسم من المواسم حتى تهل الفضائح الخاصة به، لقد أصبحت فضائح المواسم غير مفاجئة ولا متثيرة للدهشة ولا للإستغراب، لتعودنا عليها ، لكنن الفضيحة هذه المرة جاءت "بجلاجل" كما يقول المصريون ، ليس لغرابتها واختلافها عن سابقاتها ، ولكن لتضخيم بعض مواقع التواصل التي نشرت بين الناس تفاصيل خبر مفاده اعتداء مجموعة من الأطفال على عرض حمارة-جنسيا- ما أثار موجة من الاشمئزاز والاستهجان وعاصفة من السخرية والتندر، اجتاحت المجالس والمقاهي و البيوت ،  شخصياً ضحكت حتى الثمالة عند سماعي بالخبر، لكني استأت من إدانة الأطفال  أكثر من استيائي مما أقدموا عليه ، ولو كنت رجل قانون لدافعت عنهم وعن الحمارة معا، وبالمجان، ولن يكون في ذلك دعوة مني ولا فتوى بمعاشرة الحمير، كما يمكن أن يتبادر إلى بعض النفوس المريضة، والأذهان المتخلفة التي تجهل أن العلاقة بين الإنسان والحمير هي علاقة وطيدة ترجع إلى عصور بعيدة جدا، يُرجعها بعض الحمّارَة – أهل الاختصاص في علم الحمير وتاريخها- إلى عصر المشايعة البدائية أو إنتقال الإنسان من الصيد إلى التوطن في مجتمعات صغيرة، كما تروي لنا كتب التاريخ الكثير من الحوادث المشتركة التي تجسد هذه العلاقة الإنساحيوانية عامة، و الإنساحمارية خاصة، وأن مثل هذا الحدث الذي استغربناه واستنكرناه على الأطفال ، كان شائعا في القبائل و المجتمعات البدائية القديمة ولدى الحضارات الراقية (كاليونان والرومان والفرس) بدليل كثرة محاكمات الحيوانات عندهم.. و أنه في الديانات السماوية "أسفار اليهود" مثلا تسمح بمحاكمة الحيوانات ومعاقبتها في حالتين (الأولى) إذا تسببت بموت الإنسان (والثانية) في حال وجود اتصال جنسي معها ، وفي تعاليم المسيحية -المقتبسة من اليهودية- يُحكم بالإعدام على البهيمة التي تقتل الإنسان أو يتم الاتصال بها جنسياً.. أما في الإسلام فيرى فقهاء الشافعية ضرورة قتل البهيمة التي وطئها إنسان بدون حرق أو ذبح شرعي، في حين لا يرى فقهاء المالكية والحنفية ضرورة اتخاذ أي إجراء ضدها لانتفاء المسؤولية..أما القانون الأوروبي فيحفل بالأمثلة على تعامله مع مثل هذه القضايا حيث أنه بين عامي ( 1120- 1740) مثلاً حصلت أربع وعشرون محاكمة من هذا النوع في بلجيكا واثنتان وتسعون محاكمة في فرنسا وتسع وأربعون في ألمانيا..
فلو مكنني الله من علم القانون وكنت من أصحاب البدل السوداء، لاستندت في دفاعي عن الفتية والحمارة معا، وركزت على السؤال الذي لم يكلف الناس أنفسهم عناء طرحه ومناقشته، وهو ما الذي دفع الأطفال البؤساء لوطئ حمارة "خائسة"؟ قد أصدم الكثيرين إذا ما قلت بأني لم أكن مستغرباً ألبثة مما حدث ويحدث –وهذا معروف عند العادي والبادي- خصوصاً إذا ما عُرف أن الأطفال كما صرحوا لوسائل الاعلام محرومون من أي متعة وتسلية ، و يمنعون من الاختلاط بالفتيات ويحرم عليهم الحصول على صديقة في مجتمع يحرم كل علاقة خارج الزواج وفي الوقت نفسه يعج بالمغريات التي تحرض على ممارسة الجنس، فهو عالم يعاني من أزمة خانقة من قلة الاحتشام على ما يبدو أصبحت النساء فيه لا يرتدين إلا القصير أو الخفيف وحتى المحجبات منهن تعصر قوامها الرشيق في سراويل يخال للناظر إليها بأنها خيطت على أجسادهن.
وحتى إذا اعتكف الأطفال في بيوتهم تحاشياً لما قد يصادفونه في الشارع واكتفوا بمشاهدة التلفاز فإن الفضائيات توفر لهم ما لا يخطر على بال إبليس من المثيرات ، ولو احتشموا وقرروا مشاهدة البرامج الإخبارية فلاشك أن العديد من المذيعات الفاتنات سيطلن عليهم بأصاوتهن الناعمة وقدودهن الهيفاء وعيونهن الكحيلة الجميلة!
وإذا كان القارئ الكريم يرى أن الأمر مضحك، وفي ما يسمع من الحكايات/الفضائحية المتناثرة في مجتمعنا، من التسلية ما يجعله لا يفكر بأسباب إنتشارها كنتيجة طبيعية للعوز وفقدان الأمان، فيتعامل معها بحكم الندرة التي لا تؤسس لقاعد، رغم أن تواليها وتلاحقها، قد حولها إلى ظاهرة تثبت ان خللاً اجتماعياً و أخلاقياً وتربوياً قد تسلل إلى المجتمع فجعل ممارسة الجنس مع الحيوانات منتشرة بيننا حتى أصبحنا نسمع أن أحدهم أغوى ديكا قاصرا فاغتصبه فلم يحتمل المسكين وقضى ضحية شهوة مكبوتة، أما حوادث الماعز والبقر فأكثر من أن توجز في مقال كهذا.
على العموم، فإنه والحالة هذه ليس من المنطقي السكوت على  انتشار مثل هذه الفضائح، دون أن تكون حماية الأطفال على رأس الأولويات حتى يتحقق لهم ما يأملونه من الجهات الخدمية المناط بها مسؤولية الحفاظ على الأرواح والممتلكات والسلوكات.
أما أن يتكرر نفس سيناريو الفضائح دون معالجتها بما تستحق من الحزم والجدية، ويقتصر الإصلاح على تقديم المنحرفين للعدالة فقط، وكأننا لم نستفد من الفضائح السابقة. فهل ستكون فضيحة هذا الموسم دافعا لدراسة أسبابها ومسبباتها، أم أن الفضائح ستتكرر دون الاكتراث بدوافعها حتى يغرق الناس في بؤس نتائجها.

إرسال تعليق