adsense

2017/08/30 - 1:34 ص


بقلم الأستاذ حميد طولست



رغم أن الجريمة عموما ظاهرة قديمة قدم الإنسانية ، فإن توحد آراء الناس وكثر أحاديثهم في أماكن العمل وفي المقاهي والشوارع، حول موضوع معين، كل بحسب فهمه وشدة اهتمامه، سواء كان ذلك بالاتفاق أو بالاختلاف حوله، فذاك بلا شك هو ما يطلق عليه "موضوع الساعة "أو " قضية رأي عام " وحديث الساعة الذي شغل الناس في الآونة الأخيرة ، هو انتشار الإجرام وتصاعد وثيرت الجريمة التي أصبحت ظاهرة مخيفة منتشرة في كل الأماكن والأزمان و موجودة في مختلف الأوساط والطبقات الاجتماعية ، بأشكالها الكثيرة ، ودوافعها المتونوعة الناتجة عن أحوال مرتكبيها النفسية، وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، والبيئية  ، حيث نجدها في البوادي والأحياء الشعبية الهامشية، تابعة للفقر والتهميش المنتشر في النسيج الاجتماعي ، وما يعرفه من اندثار للأمل والإحباط وفقدان الآمال ، وغياب المشاركة السياسية المفتوحة والديموقراطية ، ونمو معدلات البطالة ، وتفاقم العزوبية والعنوسة بين أفراده، وغيرها من الأسباب التي تشكل حاضنة خصبة لإنبات الانحرافات السلوكية، كالتطرف الديني والانحلال الأخلاقي المفضي إلى كل أنواع الجرائم البشعة .... أما الجريمة في الأحياء الراقية والميسور أهلها ، والتي لا تقل انتشارا عنها في البوادي وبؤر الفقر، وتكون أعنف وأخطر منها ، لقدرة مرتكبيها على تبريرها ، ولكونها في الغالب جرائم سياسية أو اقتصادية منظمة وموجهة للاستحواذ على الريع الاقتصادية والإثراء الفاحش على حساب مهمشي مسحوقي المجتمع الذي تستهدف إفساد أعضاء ، عن طريق الرشوة والابتزاز ، وإقامة علاقات تكافلية مع الأعمال التجارية المشروعة ، التي تكرس أسباب الاحتقان وتهدد أمن البلاد ومواطنيها.
فإذا نحن حصرنا ظاهرة الجريمة في محتمعنا المغربي، في الزمان الحالي ، فبكل تأكيد سنجد أن شأنه شأن باقي المجتمعات الأخرى، التي لم تخلو من سلبيات الدريمة ، فعرف هو أيضا نصيبا وافرا من كل أنواعها ، وخاصة تلك التي لها علاقة مباشرة بالفقر والإقصاء والتهميش والبطالة وغلاء المعيشة، وسوء الصحة التي بما يعيشه غالبية المواطنين .
ولكنها ،مع الأسف الشديد، لا تُعالج إلا من خلال المقاربة الأمنية الصرفة التي لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تحد منها وحدها ، مهما توفرت الوسائل والإمكانات ـ وتبقى بالتالي مقاربة ثانوية  مقارنة بالتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي كمشروع مجتمعي تجد فيه الجماهير الشعبية المغربية ذاتها واستعدادها لتحمل مسؤولية التغيير ومحاربة الجريمة وفضح الإجرام بطريقة مباشر، عبر فعالياتها المختلفة ، وهذا لا يعني الاستغناء عن دور المؤسسات الأمنية وما تبذله مشكورة من جهود جبارة في الحفاظ على أمن المجتمع، والحد من سطوة الجريمة بتطبيق القانون على كل من يعتدي على حرية الآخرين وحرمهم حياتهم أو يجرح مشاعرهم ، حتى لا تتحول أرض الله الواسعة إلى ساحات للاعتداء والعدوان.
وامام هذا ، لا أدري كيف تعتقد الغالبية العظمى من المواطنين ، أنهم غير معنيين بمهمة محاربة الجريمة والإجرام ، وتغيير أحوال البلاد وتنميتها والنهوض بالحي والمدينة والوطن ، وأنها مهمة لا تقع إلا على عاتق الدولة ورجال الأمن وثلة من النشطاء الجمعويين المخلصين، والوطنيين النزهاء فقط، و يرفضون أن تكون تلك، مهمة كل الجماهير  ، كما كان الأمر بالأمس القريب حين كان المواطن المغربي يؤمن بأن الآفات التي تصيب التي وطنه ، ليست قدرا محتوما ونهائيا، فيستنفر كل طاقاته للمساهمة في علاجها، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بدل أن يقعد مع القاعدين ينشد اللازمة الخطيرة "وانا مالي" التي أصبحت تصم الآذان وما تحمله من تدلالات الانسلاخ من المواطنة والتخلي عن الوطنية جملة وتفصيلا..
ولهذا لابد من وقفة مسؤولة أمام هذه الظاهرة لدراستها وحصرها ومحاولة وقاية المواطنين منها بالرجوع إلي سابق عهدنا كخير أمة تساهم في إقامة مجتمع مبني على قاعدة "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" الأخلاق القادرة وحدها على التصدي للإجرام وغيره من الموبقات، والتي بعث من أجلها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعفي أحداًً من تحمل مسؤولية العمل للحد من شيوع معضلتها المتعملقة، خاصة من يحتل موقعاً عاماً، كبر أو صغر بدليل الحديث الشريف: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته"، وذلك بالاعتناء بتربية الأبناء وتوجيههم وإرشادهم وتغيير ظروف الناس المعيشية. فالمقاربة الوقائية المتمثلة في تحسين حياة الناس لقمع الجريمة بدلاً من المقاربة العقابية بعد ارتكاب الجريمة هي مسألة أخلاقية غير مكلفة مقارنة بالمقاربة العقابية والقضائية اللازمة للتعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وكما يقولون "الوقاية أفضل من العلاج"
خلاصة القول أنه لا تغيير حقيقي من دون الجموع بكل أطيافها وألوانها دون أن ننسى دور الأمن بكل دواليبه، والطليعة والنخب على اختلاف مشاربها، فهي من يتحمل مسؤولية القيادة والتوجيه ووضع ايستراتيجيات محاربة الجريمة، لكنها تبقى لا حول ولا قوة لها، إذا لم تستند في عملها إلى قواعد جماعية تنخرط كلية في عملية القضاء على الجريمة، وتستسيغ التغيير والتحول، وترغب في الرقي والترقي، وقد علمنا التاريخ أن النهضة والتنمية تنجزها الجماهير وليس رجال الأمن ولا أصحاب الأقلام والمنظرين وحدهم، والذين لا ننكر فضلهم وذالذي يجب الاعتراف به وتقديره لضخامة المأمورية.. ولنتصور كيف ستصبح عليه دنيانا لو أن كل فرد قام بدوره كما ينبغي، أو حاول ذلك صادقا على أقل تقدير.

إرسال تعليق