adsense

2017/05/25 - 10:26 م


بقلم عبد النبي الشراط كاتب صحفي/مدير المركز المغربي للتطوير والتدريب



في ثمانينيات القرن الماضي على الأقل كان من المستحيل أن يفكر الناس في الاحتجاج ضد السلطات،في منطقة دجنها الاستعمار وطوع أهاليها،وما خرجت فرنسا من هناك حتى تركت المواطنين جاهزين لتطبيق تعليمات المخزن،كما تركت فرنسا هناك مواطنين يعيشون ويقتاتون على حساب الوشاية ضد إخوانهم..ولقد كان المواطن الجاسوس يقطع عشرات الكيلومترات متحملا مصاريف التنقل والأكل وربما يجد صعوبة في العودة إلى بيته (بسبب انعدام المواصلات تقريبا في ذاك الزمن) فيقضي الليل في العراء متحملا برودة الطقس أوحرارته..يفعل ذلك فقط ليرضي المخزن.
والجواسيس ( البركاكة ) درجات.. أعلاهم رتبة هو الذي كان يوصل الأخبار لعامل الإقليم،وهذا البركاك الأكبر كانت له حضوة حتى مع السلطات المحلية، (القايد،القايد الممتاز إلخ) حيث كان هؤلاء بدورهم يحسبون لهذا البركاك ألف حساب..وكانوا يسارعون إلى قضاء مآربه الشخصية ومآرب عائلته ومن يتدخل لفائدتهم لدى هؤلاء (القُواد) ظلما وعدوانا ضد البسطاء من الناس.
بالإضافة لهذا النوع من الجواسيس الذين كانوا يشكلون خطرا على أمن الناس واستقرارهم،كان هناك نوع آخر منهم على صلة بإدارة الدرك..وما أدراك ما الدرك، كان رجال الدرك يمثلون نموذجا من نماذج العائلات الفرعونية التي حكمت مصر لقرون عديدة،كان الدركي يساوي فرعون وكنت حينها أطلقت هذه الصفة الفرعونية على رجال الدرك في مقال كان عنوانه:فراعنة البادية .. من يحمي الناس من بطشهم..
كان صعبا أيضا أن تكتب عن المسئولين في منطقة جبالة آنذاك، لكنني كنت نشازا،وكان من الصعب أن تسوق جريدة هناك تتضمن مقالا عن هؤلاء المسئولين بمختلف تسمياتهم وألقابهم وأوزارهم ومصائبهم،كان القايد هناك يساوي بعبع يخيف الناس ويرعبهم..والناس كانوا هناك لا فرق بينهم وبين بقية المخلوقات الأخرى إلا أنهم يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق.
الشيوخ والمقدمين وهم عيون السلطة التي لا تنام،كانوا يشكلون عاهة مستديمة على السكان.
بعد هذه المصائب كلها يأتي المنتخبون في طليعة خدام المخزن،حيث كان المنتخبون بدورهم يقومون بدور (البركاكة المتقدمين) لأن أغلبيتهم المطلقة كانوا يصلون إلى رئاسة وعضوية المجالس بناء على تعليمات المخزن للناس المقهورين..
أتذكر في ثمانينيات القرن الماضي حيث أصدرت في تلك الفترة جريدة شروق التي كانت تهتم إلى جانب القضايا الوطنية بالقضايا التي تتعلق بسكان جبالة خاصة جماعات: تافرنت،بوبعان وكيسان.إضافة لغفساي..أتذكر أنني كنت أصطحب معي أعداد من هذه الجريدة لتسويقها هناك،وفي قيادة وجماعة تافرانت تحديدا( منطقتي)كنت أتوفر على مكتب صغير هناك أستأجرته من الجماعة القروية،كان بعض الموظفين يأتونني خلسة من أعين الجواسيس ليشتروا نسخة من جريدة شروق،لكن الموظف الذي يشتري الصحيفة كان يخفيها بين لحمه وملابسه قبل أن يغادر،وكان لا يقرأ الجريدة إلا بعد منتصف الليل، أي بعد أن تنام زوجته وأبناءه خوفا من أن تبلغ عنه الزوجة أو أحد أبنائه في صباح الغد قائد المنطقة،ولكم أن تتصوروا هذا الأمر،حتى في الأنظمة الديكتاتورية لم يكن الأمر يصل لهذا الحد..لكننا في جماعة تافرانت كنا نعيش هذا الوضع على عهد القايد محمد بن خدة، القايد الذي ترك بصمة سيئة في تاريخه هناك،لكن مغادرته للمنطقة كانت أسوأ مما فعل بالناس هناك..(وليس هنا مجال الحديث عن هذا التاريخ الأسود فقد ضمنت لقطات منه في رواية أصدرتها سنة 2010 بعنوان: عقبات وأشواك وستكون لي وقفة مع تلك الحقبة من خلال المذكرات التفصيلية التي أعدها وأسأل الله أن يعينني حتى أنهيها).
ما يهمنا الآن هو أن المنطقة حصل بها تحول كبير،فالكثير من الشباب الذين عادوا من الجامعات بدأوا يحدثون بعض التغييرات في التركيبة النفسية للسكان ولو ببطء لكن أحسن من (بلاش) كما يقال.
وللتاريخ فقط كانت جريدة شروق أول من طالبت بإحداث جامعة أو كلية على الأقل بإقليم تاونات مع العلم أن هذا المطلب كان مستحيلا حينها..
الآن وقد بدأت بشائر التغيير تتراءى في تاونات المركز ولا شك أنها ستنتقل إلى مناطق أخرى من الإقليم،لأن الناس يئسوا وتعبوا وأغلبهم باتوايؤمنون بأن التغيير والإصلاح لا يهدى،بل يجب أن ينتزع،لأن المخزن عندنا ما سبق له عبر تاريخه الطويل أن منح شيئا هدية منه،بدون تضحيات الناس سواء في المدن أو القرى،ونحسب أن منطقة جبالة لها من التاريخ التليد والمجيد ما يؤهلها كي تنتزع حقوقها عبر المطالب المشروعة والاحتجاجات السلمية الحضارية،وها أن الله قد أمد في عمري – حمدا لله ومنة وشكرتا- حتى بت أرى وأسمع صدى هذه الاحتجاجات الحضارية التي انطلقت من مدينة تاونات كما أن عددا من القرى والمداشر بدأت تفكر في نفض الغبار عن وجهها،هذا الغبار الذي أحدث خدوشا وثقوبا في وجوه السكان ولعلهم الآن بدأوا يقولون..(علاش منكونوش رجال) وهم إذا فعلوا لن يطالبوا بأكثر من حقهم المشروع في:
الطريق
الإنارة
التعليم
الماء
الشغل
التنمية
إلخ..هذه ليست مطالب تعجيزية بالنسبة للدولة التي تهدر الملايير في المناسبات التافهة من احتفالات وسفريات أعضائها للداخل والخارج وأجور البرلمانيين المرتفعة وأتعاب الوزراء الخيالية والمواكب الرسمية وسواها من الأمور التي يجب ترشيدها فقط.
اليوم 25 من شهر ماي وهو يصادف مناسبة ميلادي وكنت أتمنى أن أكون حاضرا وسط المحتجين بباحة بلدية تاونات،لكن مرض ابنتي الصغرى حال دون أن أحتفل وسط المناضلين والمناضلات بمناسبة مرور 57 سنة من ميلاد هذا المشاغب الذي شكل دوما حالة شاذة وسط بلدة كان الكلام فيها عن الحقوق حراما مطلقا.
كنت أتمنى أن أحتفل بهذا الميلاد في مدينة تقع على أرضها عمالة الإقليم،وبالمناسبة أول مرة بحياتي دخلت تاونات دخلتها معتقلا بسبب ما كنت أتفوه به من كلام يفيد المطالبة بحقوق الناس وعدم اعتبارهم عبيدا للمخزن..
تحية كبيرة للسيد رشيد البكوري الذي رأيته اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وسط المحتجين بالرغم من كسر يده على يد المخزن في احتجاج سابق،تحية لكل المناضلات والمناضلين الذي قرروا التصدي للحكرة والتسلط.وأعتذر ان كنت استخدمت بعض الذاتية في هذا الموضوع..لكنها جزء من التاريخ..
وعدا أن أكون بينكم في مناسبة احتجاجية قادمة بحول الله.

إرسال تعليق