بقلم : ابو ياسين
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِن لَدُنكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾
ليست كل الكلمات التي تُقال عند تحمل المسؤولية مجرد عبارات بروتوكولية تُنسى بعد انتهاء المراسم. أحياناً تتحول الكلمات إلى امتحان حقيقي، ويصبح المسؤول مطالباً بأن يثبت بالفعل أنه كان وفياً لما قاله.
ومن هنا، فإن الدعاء: «اللهم أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق»، الذي ارتبط ببداية مهمة السيد محمد المسعودي، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة، يأخذ اليوم معنى مختلفاً لدى المتابعين للشأن المحلي.
فالمسؤول القضائي لا يُقاس بما يقوله في المنابر، وإنما بما يتركه تطبيق القانون من أثر على أرض الواقع.
حين يصبح الاقتراب من بعض الملفات أمراً ممكناً خلال الفترة الأخيرة، برزت ملفات وأسماء أصبحت أمام القضاء بعدما كان مجرد الاقتراب من بعضها، وفق ما كان يُتداول محلياً، يبدو للبعض أمراً بالغ الصعوبة.
وهنا لا نتحدث عن إدانة أشخاص، ولا عن إصدار أحكام خارج قاعات المحاكم؛ فذلك من اختصاص القضاء وحده.
لكننا نتحدث عن مبدأ بالغ الأهمية: أن يصل الملف إلى القضاء، وأن يخضع صاحبه للبحث والمساطر القانونية، يعني أن لا أحد ينبغي أن يعتبر نفسه محصناً من القانون لمجرد امتلاكه علاقات أو نفوذاً أو حضوراً اجتماعياً.
لقد تمت متابعة أشخاص في قضايا مختلفة، واتخذت في حق بعضهم إجراءات قضائية، فيما سبق أن انتهت ملفات أخرى إلى أحكام أو عقوبات سالبة للحرية.
ومهما كانت طبيعة هذه الملفات، فإن القاعدة القانونية واضحة: المتابعة ليست إدانة، والإدانة لا تكون إلا بحكم قضائي نهائي.
وهذه ليست مجاملة لأحد، وإنما احترام للقانون نفسه.
الجديدة ليست مملكة داخل المملكة ،المشكلة الحقيقية لا تكمن في أسماء الأشخاص، بل في العقلية التي قد تجعل بعض الأفراد يعتقدون أنهم أقوى من المؤسسات.
عندما تنتشر ثقافة:
«أنا محمي»...
«لا أحد يستطيع الاقتراب مني»...
«لدي علاقاتي»...
«أعرف من أتصل به»...
فإن الخطر لا يعود مرتبطاً بشخص بعينه، وإنما يتحول إلى خطر على ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
الدولة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين تخشاهم، وإنما بعدد الأشخاص الذين يعرفون أن القانون فوق الجميع.
ـ لا رجل أعمال فوق القانون.
ـ لا مسؤول فوق القانون.
ـ لا صاحب نفوذ فوق القانون.
ـ لا صاحب علاقات فوق القانون.
ـ ولا شخص يمكن أن يحوّل علاقاته الشخصية إلى حصانة غير مكتوبة.
الجديدة مدينة مغربية، وإقليم الجديدة جزء من دولة المؤسسات، وليس منطقة نفوذ خاصة لأحد.
شهادة حق لوكيل الملك ومن باب الإنصاف، فإن كلمة الحق تقتضي تسجيل التقدير لكل مسؤول قضائي يصر على أن تكون المؤسسة فوق الأشخاص، والقانون فوق العلاقات، والمساطر فوق الضغوط.
وإذا كان السيد محمد المسعودي، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة، قد اختار أن يجعل عمل النيابة العامة يتحدث عن نفسه، فإن تقديم ملفات وأسماء إلى القضاء، متى كان ذلك مبنياً على أبحاث وأدلة ومساطر قانونية سليمة، يمثل في حد ذاته رسالة واضحة:
لا ملف يجب أن يكون محرماً على القانون، ولا اسم يجب أن يكون أكبر من المؤسسة القضائية.
وهنا تحديداً تظهر قيمة المسؤول الذي لا يبحث عن الشعبية، وإنما عن احترام القانون.
فالقضاء لا يحتاج إلى التصفيق، وإنما يحتاج إلى الاستقلال والتجرد والشجاعة.
ـ زمن «هذا لا يُمس» يجب أن ينتهي ،لقد عانى المجتمع طويلاً من فكرة أن هناك أشخاصاً يمكن أن تكون لهم معاملة مختلفة بسبب المال أو النفوذ أو العلاقات.
وهذه العقلية، إن وُجدت، أخطر من أي شخص بعينه.
لأنها تزرع في المواطن البسيط شعوراً قاتلاً بأن القانون قوي على الضعيف، ومتردد أمام القوي.
وهذا بالضبط ما يجب أن تحاربه مؤسسات الدولة.
ليس المطلوب الانتقام من أحد، ولا تصفية الحسابات مع أحد، ولا تحويل القضاء إلى أداة في مواجهة الخصوم.
المطلوب أبسط وأقوى: من خالف القانون يحاسب وفق القانون، ومن لم تثبت في حقه المخالفة يبقى بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
تلك هي دولة المؤسسات. لا أحد فوق القانون... ولا بريء يجب أن يخاف منه
القانون ليس سيفاً مسلطاً على رقاب المواطنين، بل هو الحماية التي تمنع الفوضى وتحمي الحقوق.
ومن هنا فإن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الجميع هي:
لا أحد فوق القانون، لكن لا أحد أيضاً يجب أن يُدان خارج القانون.
وهذا التوازن هو جوهر العدالة.
فإذا كانت هناك أسماء كان الاقتراب منها بالأمس يبدو مستحيلاً، وأصبحت اليوم ملفاتها أمام القضاء، فإن العبرة ليست في الأسماء، وإنما في أن يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة قادرة على الوصول إلى الحقيقة.
أما الحديث عن النفوذ والعلاقات والهدايا والمجاملات وما شابه ذلك، فيجب أن يبقى في إطار ما تثبته الأبحاث والأدلة، لا في إطار الإشاعات أو الأحكام المسبقة.
وهنا تكمن قوة الصحافة المسؤولة: أن ترفع صوتها في وجه الفساد إن ثبت، وفي الوقت نفسه تحمي قرينة البراءة ولا تتحول إلى محكمة شعبية.
محمد المسعودي... هل كانت الكلمات بداية لمسار؟
اليوم، وبعد ما عرفته بعض الملفات من تحريك ومتابعة وإحالة إلى القضاء، يحق للرأي العام أن يطرح السؤال:
هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها أن القانون يمكن أن يصل إلى كل مكان؟
إذا كان الجواب نعم، فإن المطلوب ألا يكون الأمر حملة مؤقتة، ولا موجة عابرة، وإنما مساراً مؤسساتياً دائماً.
لأن هيبة الدولة لا تُبنى بملف واحد، ولا باسم واحد، ولا بحملة واحدة.
هيبة الدولة تُبنى عندما يعرف المواطن أن القانون سيطبق عليه كما سيطبق على صاحب المال والنفوذ.
وهنا يصبح الدعاء: ﴿واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً﴾
ليس مجرد افتتاح لكلمة، بل مسؤولية ثقيلة.
مسؤولية أن يكون المنصب أمانة.
ـ وأن تكون النيابة العامة حصناً للحق.
ـ وأن يكون القانون فوق كل اعتبار.
ـ وأن يكون القضاء هو صاحب الكلمة الفصل.
إن شهادة الحق تقتضي القول إن ما يجري من تحريك ملفات وإحالتها على القضاء، متى تم وفق القانون وبناءً على أدلة وأبحاث قضائية، يعيد شيئاً من الثقة في المؤسسات.
ولذلك فإن الرسالة اليوم ليست موجهة إلى شخص بعينه، وإنما إلى الجميع:
انتهى زمن الاعتقاد بأن هناك من لا يُمس. ففي دولة المؤسسات، لا توجد أسماء محصنة من القانون، ولا ملفات مقدسة، ولا علاقات تمنح حصانة.
لكن في المقابل، لا توجد أيضاً إدانة خارج المحكمة، ولا عقوبة خارج القانون، ولا تشهير بمن لم تثبت مسؤوليته.
القانون للجميع... والقضاء وحده صاحب الكلمة الأخيرة.
وإذا كان السيد محمد المسعودي قد قال عند بداية مهمته:
«اللهم أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق»
فإن الاختبار الحقيقي لأي مسؤول ليس في الدعاء الذي قاله يوم تولي المسؤولية، وإنما في الأثر الذي يتركه عمله عندما تنتهي مهمته.
والتاريخ لا يتذكر المناصب فقط...بل يتذكر الرجال الذين دخلوا إليها بصدق، وخرجوا منها بصدق، وتركوا وراءهم مؤسسة أقوى من الأشخاص.



