بقلم : ابو ياسين
لم تعد القضية مجرد بصقة في نهاية ندوة صحفية… القضية أصبحت اختباراً حقيقياً لمن يؤمن بحرية الصحافة، ومن يرفع شعارها فقط عندما تخدم
ولعل ما وقع في ختام إحدى الندوات الصحفية، من سلوك مهين تجاه الجسم الصحفي، لم يكن مجرد واقعة عابرة يمكن دفنها تحت عناوين “الغضب” و”الانفعال”.
فحين تتحول الندوة الصحفية إلى فضاء للسب والإهانة، وحين يبلغ الأمر حد البصق في اتجاه الصحفيين، فإننا أمام انهيار خطير لقواعد الحوار والاحترام.
لكن الأخطر من الواقعة نفسها، أن يخرج بعد ذلك من يحاولون تبرير الإهانة، أو مهاجمة الصحفيين الذين تحدثوا عنها، وكأن المطلوب من الصحافة أن تصمت حتى عندما تُهان.
من يدافع عن الظلم بالسب والقذف لا يدافع عن أحد… بل يضيف ظلماً جديداً إلى الظلم الأول.
من اعتدى أولاً لا يصبح بريئاً لأن آخرين صفقوا له ،هناك من اختار أن يقف في الجهة الخطأ.
بدلاً من أن يسأل: ماذا وقع داخل الندوة؟
ومن تجاوز حدود الاحترام؟
وهل تعرض صحفيون للإهانة؟
وهل كانت هناك مسؤولية على المنظمين؟ سبٌّ.قذفٌ.تشهيرٌ.
وكأن الصحفي الذي كشف الواقعة أصبح هو المتهم، بينما يتحول من صدر عنه السلوك المهين إلى “ضحية”.
هذه ليست صحافة، وليست تضامناً، وليست دفاعاً عن فنان.
إنها ببساطة محاولة لقلب الأدوار.
والأكثر خطورة أن يتحول بعض المتدخلين إلى أبواق لتخويف الصحفيين وإسكاتهم، وكأن الرسالة أصبحت:
اصمتوا… وإلا تعرضتم للهجوم.
وهذه العقلية مرفوضة. الصحفي ليس كبش فداء
لن نقبل أن يتحول الصحفي إلى كبش فداء كلما وقعت أزمة.
إذا طرح سؤالاً صعباً قيل إنه مستفز.
إذا انتقد قيل إنه يبحث عن الشهرة.
إذا كشف واقعة قيل إنه يريد التشهير.
إذا طالب باحترامه قيل له: “تحمل”.
لكن عندما يتعرض للإهانة، يطلب منه الجميع أن يصمت! كفى.
الصحافة ليست حائطاً قصيراً.
والصحفي ليس شخصاً بلا كرامة.
ومن يعتقد أن السب والقذف والتهديد سيجعل الصحفي يتراجع، فهو لم يفهم طبيعة المهنة.
الصحفي المهني قد يخطئ، وقد يُنتقد، وقد يُحاسب مهنياً أو قانونياً، لكنه لا يفقد حقه في الكرامة والحماية القانونية.
ومن يدافع عن الإهانة بالسب والقذف…؟
السؤال موجه إلى كل من خرج في مواقع التواصل أو في أماكن أخرى لمهاجمة الصحفيين بسبب كشفهم للواقعة:
هل الدفاع عن فنان أو منظم يعني سب الصحفيين؟
هل الاختلاف مع مقال يبرر القذف؟
هل رفض رواية صحفية يبرر التشهير؟
هل الغضب من تغطية إعلامية يمنح أي شخص الحق في المساس بسمعة الصحفي؟ قطعاً لا. ومن لديه رد على الصحفي، فليكتب رداً. ومن لديه وثيقة، فليقدمها والنيابة العامة في خدمة كل مظلوم.
ومن يرى أن المقال يتضمن معلومات خاطئة، فله حق التصحيح والرد وفق القانون.
أما تحويل الخلاف إلى حملة سب وقذف وتشويه، فذلك لا يصنع الحقيقة، ولا يمحو الواقعة، ولا يثبت البراءة.
بل قد يفتح وقائع ومسؤوليات جديدة. القانون لا يعمل بمنطق “معنا أو ضدنا”
حرية التعبير مكفولة، لكن حرية التعبير ليست ترخيصاً مفتوحاً للإساءة إلى الآخرين.
والصحافة حرة، لكنها أيضاً مسؤولة. والفنان حر في الرد، لكنه ليس فوق القانون.
وكل شخص حر في الدفاع عن رأيه، لكنه يتحمل مسؤولية ما ينشره أو يردده إذا تجاوز الحدود التي يرسمها القانون.
القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر يكرس حرية الصحافة، كما ينص على حماية الصحافيات والصحافيين من الاعتداء والتهديد أثناء مزاولة مهنتهم.
لا يجوز أن تتحول ممارسة الصحافة إلى سبب لتعريض الصحفي للإهانة أو التهديد.
وفي المقابل، فإن الصحفي نفسه مطالب باحترام القانون وأخلاقيات المهنة.
المسؤولية لا تقع على الفنان وحده هناك سؤال آخر أكثر إحراجاً: أين كانت الشركة المنظمة؟
إذا كان تنظيم الندوة الصحفية جزءاً من الالتزامات المرتبطة بالنشاط الفني والعقد المبرم مع الفنان، فإن المنظم لا يمكن أن يتعامل مع ما وقع باعتباره شأناً لا يعنيه.
المنظم الذي يحتاج الصحفي لتغطية الحفل، عليه أن يحترم الصحفي عندما يدخل قاعة الندوة.
والمنظم الذي يستفيد من الإعلام في صناعة صورة الحدث، عليه أن يتحمل مسؤوليته عندما يقع خلل داخل الفضاء الذي يشرف عليه.
التنظيم ليس فقط توفير منصة وإضاءة ومكبرات صوت.
التنظيم أيضاً حماية الحد الأدنى من شروط الاحترام والسلامة والانضباط. ولهذا فإن السؤال مشروع:
هل قامت الشركة المنظمة بفتح تحقيق داخلي في الواقعة؟
- هل استمعت إلى الصحفيين؟
- هل راجعت تسجيلات الندوة؟
- هل حددت المسؤوليات؟
أم أن سياسة “مرّغها في التراب وستنسى” أصبحت هي الحل؟
لن نسمح بتحويل الصحافة إلى جريمة
أخطر ما في هذه الواقعة ليس فقط ما قيل أو ما حدث داخل القاعة.
الأخطر هو أن يصبح الصحفي بعد ذلك مستهدفاً لأنه تجرأ على الحديث.
هذه هي النقطة التي يجب أن يتوقف عندها الجميع. فالصحفي الذي يكشف واقعة لا يصبح شريكاً فيها. والصحفي الذي ينتقد سلوكاً لا يصبح خصماً شخصياً. والصحفي الذي يطرح سؤالاً محرجاً لا يفقد حقه في الاحترام.
وإذا كان هناك خطأ في التغطية، فهناك القانون، وهناك حق الرد، وهناك القضاء.
أما لغة الشتائم والقذف والتشهير فلا تصنع إعلاماً ولا تحمي فناناً.
بل تخلق ضحايا جدداً. رسالة إلى من يعتقد أن السب سيخيف الصحافة
- لن يخيفنا السب.
- لن يمحو الحقيقة.
- لن يطفئ الكاميرا.
ولن يجعل الصحفي يعتذر عن ممارسة مهنته.
- من لديه دليل فليقدمه.
- من لديه رد فليكتبه.
- من يرى أن الصحفي أخطأ فليتوجه إلى الجهات المختصة.
أما تحويل الصحفي إلى هدف للشتائم او قنطرة لقضاء مآربكم لأن صوته لم يعجب البعض، فهذه ليست شجاعة. الشجاعة أن تواجه السؤال، لا أن تهاجم صاحبه.
وفي النهاية…القضية ليست حرباً بين الصحافة والفن.القضية أكبر من ذلك.
إنها قضية كرامة، واحترام، ومسؤولية، وسيادة القانون.
ومن المؤسف أن البعض اختار أن يدافع عن واقعة مهينة للصحافة بارتكاب إهانة جديدة ضد الصحفيين.
لكن الرد سيكون واضحاً: لن نقابل السب بالسب، ولا القذف بالقذف، ولا الفوضى بالفوضى. سنضع الوقائع أمام الرأي العام والجهات المختصة وسنحتكم إلى القانون.
فمن يعتقد أن الصحفي يمكن أن يُهان ثم يُطلب منه الصمت، عليه أن يعيد حساباته.
ومن يعتقد أن بإمكانه الدفاع عن الإهانة بسب الصحفيين، فعليه أن يدرك أن الشتيمة ليست حجة، والقذف ليس دليلاً، والتشهير ليس دفاعاً.
وفي هذه القضية تحديداً، يجب أن يكون السؤال الأخير مدوياً:
إذا كانت البصقة قد أصابت كرامة الصحافة داخل القاعة، فمن يتحمل مسؤولية البصقات الكلامية التي انطلقت بعدها ضد الصحفيين؟
- فالصحافة قد تُنتقد.
- وقد تُحاسب.
- وقد تُخطئ.
- لكنها لا تُهان لأنها سألت.
- والفنان قد يغضب.
- وقد يرفض.
- وقد ينسحب.
لكن لا أحد فوق الاحترام، ولا أحد فوق القانون.
ومن أراد الدفاع عن الحقيقة، فليدافع عنها بالحجة… لا بالسب والقذف
