adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/21 - 11:54 م



بقلم : ابو ياسين
عاد ملف المحروقات إلى الواجهة، ومعه عاد السؤال القديم المتجدد: إلى أين تتجه أسعار الغازوال في المغرب، ومن يدفع فاتورة هذه التحولات؟
ارتفاع سعر الغازوال بـ65 سنتيماً للتر، في مقابل انخفاض البنزين بـ30 سنتيماً، واقتراب الغازوال من حاجز 15 درهماً للتر، لم يعد مجرد تعديل عابر في أسعار محطات الوقود. فالأمر يلامس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطن، ويضع آلاف الأسر وأصحاب المهن والنقل والخدمات أمام معادلة أكثر صعوبة.
لكن خلف هذه الزيادات يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: هل نحن أمام تقلبات عادية في السوق، أم أمام توجه تدريجي لإضعاف استعمال سيارات الغازوال ودفع المغاربة، بطريقة غير مباشرة، نحو تغيير نمط تنقلهم؟
هنا يجب التوقف طويلاً. فأوروبا تتجه منذ سنوات نحو تشديد المعايير البيئية وتقليص الاعتماد على محركات الاحتراق الداخلي، وتشجيع السيارات الكهربائية والهجينة. وهذا التوجه الأوروبي معروف ومعلن، لكن السؤال الذي يستحق النقاش في المغرب هو: هل تنتقل بعض تداعيات هذه السياسات إلى السوق المغربية بشكل غير مباشر، حتى قبل أن تتوفر للمواطن المغربي البدائل الحقيقية؟
إذا كان الهدف، في نهاية المطاف، هو تقليص حضور سيارات الغازوال في المغرب، فليس من المنطقي أن تبدأ العملية من جيوب المواطنين قبل توفير البدائل.
لا يمكن أن تقول للمواطن: تخلَّ عن سيارتك التي تعمل بالغازوال، بينما أسعار السيارات الكهربائية لا تزال مرتفعة بالنسبة إلى شريحة واسعة، والبنية التحتية الخاصة بالشحن ليست في مستوى يسمح بتحول شامل، كما أن سوق السيارات المستعملة ما زالت تعتمد بشكل كبير على محركات الاحتراق.
هنا تكمن الخطورة. فرض التحول بالقوة الاقتصادية قبل توفير البديل قد لا يصنع انتقالاً بيئياً هادئاً، وإنما قد يصنع أزمة اجتماعية.
فالمواطن الذي اشترى سيارته بالغازوال بناءً على قدرته المالية، أو العامل الذي يعتمد عليها في رزقه، أو المهني الذي يعيش من النقل، أو الفلاح الذي يحتاج إلى المركبات والآليات التي تشتغل بالوقود، لا يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مستهلك للسيارات الكهربائية فقط لأن أسعار الغازوال أصبحت تثقل كاهله.
وإذا كانت هناك بالفعل سياسة عمومية تهدف إلى تقليص سيارات الغازوال، فيجب أن تكون معلنة وواضحة ومبنية على انتقال عادل، لا أن يشعر المواطن بأنها تتم عبر الضغط المتواصل على أسعار الوقود.
أما أن ترتفع كلفة الغازوال بصورة متكررة، بينما لا يرى المواطن خطة واضحة للانتقال الطاقي في قطاع النقل، فهذا كفيل بخلق حالة من القلق وعدم اليقين.
والأخطر من ذلك أن يتحول المواطن إلى مجرد متلقٍ للقرارات، دون أن يعرف هل ما يحدث نتيجة للسوق الدولية، أم للضرائب، أم لهامش التوزيع، أم لسياسة بيئية، أم لمزيج من كل هذه العوامل.
نريد الحقيقة، لا التخمين. إذا كانت هناك استراتيجية وطنية لتقليص الاعتماد على الغازوال، فلتخرج الحكومة وتعلنها أمام المغاربة.
إذا كان هناك توجه نحو السيارات الكهربائية، فلتُعلن الحوافز والتسهيلات.
إذا كانت هناك ضرائب أو رسوم بيئية ستؤثر مستقبلاً على سيارات الغازوال، فليعرف المواطن ذلك مسبقاً.
أما أن يُترك المواطن أمام ارتفاعات متتالية، ثم يُطلب منه أن يفهم وحده ما يجري، فذلك ليس تدبيراً عمومياً شفافاً.
إن الانتقال الطاقي مشروع يمكن أن يكون إيجابياً للمغرب، لكنه لا يمكن أن ينجح بمنطق “ادفع أكثر ثم ابحث عن البديل”.
فالتحول الحقيقي يحتاج إلى بنية تحتية، وأسعار مناسبة، وتحفيزات، ونقل عمومي قوي، وإجراءات لحماية الطبقات المتوسطة والهشة، وليس فقط إلى رفع كلفة الوقود وخنق مالكي السيارات الغازوال خوفا من الدعم .
ثم هناك سؤال آخر لا يقل خطورة: هل ارتفاع أسعار الغازوال يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط اقتصادية لإجبار المغاربة على التخلي عن سياراتهم ؟
إذا كان الجواب نعم، فمن حق المواطن أن يعرف. وإذا كان الجواب لا، فعلى الحكومة والجهات المعنية أن تقدم للرأي العام تفسيراً واضحاً ومقنعاً لمسار الأسعار، حتى لا تترك المجال للشائعات والتأويلات.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الملفات ليس ارتفاع السعر وحده، وإنما غياب الثقة.
عندما يشعر المواطن أن القرارات تُتخذ بعيداً عنه، وأن الأسعار تتحرك دون تفسير كافٍ، وأن البدائل غير متاحة، يبدأ القلق في التحول إلى غضب اجتماعي.
ومن هنا فإن ملف المحروقات لم يعد ملفاً اقتصادياً محضاً؛ إنه ملف اجتماعي وسياسي بامتياز.
والحكومة مطالبة اليوم بأن تتعامل معه بمنتهى الجدية، لأن المواطن لا يريد أن يستيقظ كل أسبوع على سعر جديد في محطة الوقود، ولا يريد أن يجد نفسه مضطراً إلى تغيير سيارته أو أسلوب حياته تحت ضغط فاتورة المحروقات.
القانون يجب أن يكون فوق النفوذ، والشفافية فوق المصالح، والمواطن فوق حسابات السوق. أما إذا كان هناك من يريد تحويل المغرب تدريجياً إلى سوق للسيارات الكهربائية، فليكن ذلك عبر سياسة واضحة وعادلة، وليس عبر إنهاك أصحاب سيارات الغازوال بالزيادات.
فالمغاربة ليسوا ضد التطور، ولا ضد حماية البيئة، ولا ضد الانتقال الطاقي. لكنهم ضد أن يُطلب منهم دفع ثمن انتقال لم يشاركوا في رسمه، ولم تُوفر لهم شروطه.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الحكومة والمؤسسات الرقابية: هل ارتفاع أسعار الغازوال مجرد انعكاس للسوق، أم أننا أمام بداية تحول عميق في سياسة النقل بالمغرب؟
الإجابة يجب ألا تأتي من صفحات التواصل الاجتماعي، ولا من التأويلات، بل من الأرقام والوثائق والسياسات المعلنة.
لأن عندما يتعلق الأمر بقوت المواطنين وقدرتهم على التنقل والعمل، فإن الصمت لم يعد جواباً مقبولاً