بقلم : ابو ياسين
هناك خطر يتسلل إلى المجتمع بصمت، لكنه لم يعد من الممكن تجاهله: شباب يجد نفسه محاصراً بين بطالة قاسية، ومستقبل غامض، وإغراءات الممنوعات والمؤثرات العقلية التي أصبحت متاحة أقرب إلى بعض الفئات من أي وقت مضى.
حين يُغلق باب العمل في وجه شاب، وتُغلق أمامه أبواب التكوين والتوجيه، ويشعر أن سنوات الدراسة لم تمنحه طريقاً واضحاً، فإن الفراغ يصبح عدواً خطيراً.
والفراغ في حياة الشباب ليس مجرد ساعات ضائعة. إنه أرض خصبة لليأس والانحراف والاستغلال.
المخدرات والمؤثرات العقلية لا تدخل حياة الشباب دائماً من باب الرغبة في الإدمان؛ أحياناً تبدأ من الفضول، أو ضغط الأصدقاء، أو الهروب من واقع مؤلم، أو محاولة نسيان البطالة والفشل والإحساس بانسداد الأفق.
لا يمكن أن نطلب من شاب أن يكون قوياً أمام المستقبل، بينما لا نوفر له الأدوات التي تجعله قادراً على مواجهة هذا المستقبل.
ـ كيف نريد لشاب أن يرفض طريق الانحراف، ونحن لا نفتح أمامه طريق العمل؟
ـ كيف نطالبه بالصبر، بينما يرى سنوات عمره تمر دون فرصة حقيقية؟
ـ كيف نطلب منه أن يحلم، بينما كل ما يراه حوله هو ارتفاع تكاليف الحياة وصعوبة الحصول على وظيفة وغياب الاستقرار؟
المشكلة ليست في الشباب وحدهم… المشكلة في البيئة التي تُترك أمامهم.
والأخطر من ذلك أن شبكات ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية تعرف جيداً كيف تستغل هشاشة الفئات الشابة، خصوصاً عندما تجد أمامها شباباً عاطلاً، غاضباً، فاقداً للأمل أو يبحث عن الهروب من واقعه.
ولهذا فإن محاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون أمنية فقط.
نعم، يجب ضرب شبكات الاتجار والترويج بكل صرامة، وتجفيف منابعها، وملاحقة من يحولون شباب الوطن إلى سوق مربحة.
لكن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي.
ـ نحتاج إلى معركة اجتماعية وتعليمية واقتصادية متكاملة.
ـ نحتاج إلى مدارس توجه، ومراكز تكوين تفتح الأبواب، وملاعب وفضاءات للشباب، ومشاريع صغيرة حقيقية، وفرص عمل، وبرامج لإعادة إدماج من سقطوا في الإدمان والانحراف.
لأن الشاب الذي يجد أمامه كتاباً، أو تكويناً، أو ملعباً، أو ورشة، أو وظيفة، أو مشروعاً، تقل فرص أن يجد نفسه في حضن الشارع والممنوعات.
أما أن نتركه بلا عمل، بلا توجيه، وبلا أفق، ثم نتفاجأ عندما نرى نتائج ذلك في الشارع، فذلك يعني أننا نعالج النتائج ونترك الأسباب تتكاثر.
المغرب لا يحتاج إلى جيل ضائع. يحتاج إلى شباب يعمل، ويتعلم، ويبتكر، ويؤسس أسرة، ويبني مستقبله داخل وطنه.
لأن أخطر خسارة يمكن أن يتعرض لها أي بلد ليست خسارة المال فقط، وإنما خسارة عقول شبابه وأعمارهم وأحلامهم.
وإذا لم نتحرك اليوم، فقد يصبح السؤال غداً أكثر قسوة:
كم شاباً كان يمكن إنقاذه من الضياع لو وجد عملاً في الوقت المناسب؟
هذه ليست قضية هامشية. إنها قضية أمن اجتماعي، واقتصادي، وتربوي، ومستقبل وطن بأكمله.
أنقذوا الشباب قبل أن يصبح اليأس أقوى من القانون، وقبل أن تتحول البطالة والفراغ والممنوعات إلى مثلث يبتلع جيلاً بأكمله.
.jpg)