adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/21 - 11:50 م



بقلم : ابو ياسين
في دولة المؤسسات والقانون، لا يمكن أن تتحول القوانين إلى أدوات لإغلاق أبواب المحاسبة، ولا يجوز أن يصبح التشريع وسيلة لتحصين المسؤول العمومي من الأسئلة المشروعة حول الثروة والمال العام وتدبير المرافق العمومية.
ومن هنا يطرح النقاش حول تجريم الإثراء غير المشروع والتبليغ عن جرائم المال العام سؤالاً أكبر من مجرد خلاف سياسي أو تقني حول مواد قانونية: هل نحن أمام تشريع يحارب الفساد، أم أمام هندسة قانونية قد تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة؟
فالدستور المغربي واضح في ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن الفصل 36 ينص على تجريم ممارسات الفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ والامتيازات والمواقع لتحقيق أغراض شخصية. وقد أكدت أصوات حقوقية وقانونية خلال سنة 2026 أن تجريم الإثراء غير المشروع يجد أساسه الدستوري في هذا المبدأ.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على حكومة عزيز أخنوش هو:
لماذا كل هذا التعقيد عندما يتعلق الأمر بملاحقة الفساد والإثراء غير المشروع؟
لقد تحول ملف الإثراء غير المشروع إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية المغربية، خصوصاً بعد سنوات من التعثر وسحب مشروع القانون الجنائي الذي كان يتضمن مقتضيات مرتبطة بهذه الجريمة. وفي المقابل، تقدمت مبادرات تشريعية جديدة لإعادة الملف إلى الواجهة.
والأخطر من ذلك أن النقاش لم يعد محصوراً في تجريم الإثراء غير المشروع، بل امتد إلى حق المجتمع المدني والهيئات المعنية بحماية المال العام في التبليغ عن شبهات الفساد.
فالمقتضيات التي أثارت الجدل بشأن قانون المسطرة الجنائية اعتُبرت من طرف منتقديها تضييقاً على قدرة الجمعيات والهيئات المدنية على التبليغ عن جرائم المال العام، في حين دافعت الحكومة عن حصر التبليغ في الجهات المخول لها قانوناً، بدعوى الحد من الوشايات الكيدية.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف. محاربة الوشايات الكيدية لا تعني قتل حق التبليغ.
ومن حق الدولة أن تمنع الاستعمال الكيدي للقانون، ومن حق القضاء أن يفرز الشكايات الجدية من الادعاءات الكيدية، لكن تحويل هذا المبدأ إلى بوابة مغلقة أمام المجتمع المدني سيكون أمراً بالغ الخطورة.
فالهيئات الحقوقية والجمعيات المدافعة عن المال العام ليست هي القضاء، ولا تطلب أن تكون هي القضاء.
ـ هي تبلغ.
ـ والنيابة العامة تبحث.
ـ والشرطة القضائية تحقق.
ـ والقضاء يحكم.
فلماذا الخوف من التبليغ إذا كانت المؤسسات القضائية مستقلة وقادرة على التحقق من الوقائع؟
إن التبليغ لا يعني الإدانة، والشكاية لا تعني الحكم، والاشتباه لا يعني الجريمة.
لكن منع التبليغ أو تضييقه بشكل يجعل الوصول إلى النيابة العامة حكراً على جهات محددة قد يحرم المجتمع من إحدى أهم آليات الرقابة المدنية على المال العام. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
من يحمي المال العام إذا صمتت المؤسسات، وخافت الجمعيات، وتراجع المجتمع المدني، وأصبح الصحفي يخشى الاقتراب من ملفات الفساد؟
إن المال العام ليس ملكاً للحكومة، ولا للأحزاب، ولا للوزراء، ولا للمسؤولين المنتخبين.
إنه مال المغاربة. وأي درهم يهدر أو يستغل خارج القانون هو في النهاية اعتداء على حقوق المواطن في الصحة والتعليم والسكن والشغل والنقل والخدمات العمومية.
ومن غير المقبول أن يشعر المواطن بأن القانون شديد القسوة على الضعيف، لكنه يتحول إلى متاهة من الإجراءات عندما يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ والمواقع والمسؤوليات.
والأكثر إثارة للقلق أن النقاش حول محاربة الفساد يأتي في وقت تؤكد فيه منظمات وهيئات حقوقية ومدنية أن مكافحة الرشوة والفساد تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وأن سحب مشروع تجريم الإثراء غير المشروع ظل أحد أبرز الملفات التي أثارت انتقادات واسعة.
لذلك، فإن حكومة الغد مطالبة اليوم بأكثر من الخطب والتصريحات.
ـ مطالبة بأن تقدم للمغاربة أجوبة واضحة:
ـ أين هو القانون الفعال لتجريم الإثراء غير المشروع؟
ـ كيف ستتم حماية المال العام؟
ـ كيف سيُفتح الباب أمام التبليغ عن شبهات الفساد دون تحويله إلى أداة للانتقام السياسي؟
ـ كيف ستتم حماية المبلغين والصحفيين والهيئات المدنية التي تكشف الاختلالات؟
وكيف سيتم ضمان ألا يتحول القانون إلى درع يحتمي خلفه المسؤول بدل أن يكون سيفاً مسلطاً على الفساد؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في دولة المؤسسات هو أن يصبح التشريع نفسه حاجزاً أمام الوصول إلى الحقيقة.
فالقانون الذي يحمي المواطن ويحاسب المسؤول هو قانون عادل.
أما القانون الذي يجعل المواطن عاجزاً عن مساءلة من يدير المال العام، فهو قانون يحتاج إلى نقاش عميق حول فلسفته وروحه ومقاصده.
ـ ولا ينبغي لأحد أن يضع نفسه فوق الدستور.
ـ ولا الحكومة.
ـ ولا البرلمان.
ـ ولا الحزب.
ـ ولا الوزير.
ـ ولا المنتخب.
ـ ولا أي مسؤول عمومي.
المغرب ليس ملكاً لحكومة عابرة، والحكومة ليست فوق الدولة، والمال العام ليس غنيمة انتخابية.
لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني صريح حول منظومة مكافحة الفساد، بعيداً عن الحسابات الحزبية والمصالح الانتخابية.
فالمغاربة لا يريدون قوانين جميلة في الجريدة الرسمية، بل يريدون قوانين تطبق على الجميع.
لا يريدون محاربة الفساد بالشعارات، بل يريدون استرجاع الأموال المنهوبة ومحاسبة من ثبت تورطه وفق القانون.
ولا يريدون مؤسسات تكتفي بتلقي التقارير، بل يريدون مؤسسات قادرة على تحويل الاختلالات المثبتة إلى أبحاث ومتابعات وأحكام عندما تتوافر الشروط القانونية.
أما أن تصبح الهيئات الحقوقية والمجتمع المدني خارج معادلة التبليغ، ثم نطالب المواطن بالصمت والثقة، فذلك يطرح سؤالاً بسيطاً: الثقة في من؟ وفي ماذا؟
إن حكومة القادمة مطالبة بأن تفهم أن قوة الدولة لا تقاس بعدد القوانين التي تمررها، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون على القوي قبل الضعيف.
وإذا كانت الحكومة واثقة من سلامة تدبيرها، فعليها أن تكون أول من يدافع عن أقصى درجات الشفافية والرقابة والتبليغ والتحقيق.
أما إغلاق الأبواب أمام التبليغ عن شبهات المال العام، ثم مطالبة المغاربة بالثقة، فليس إصلاحاً.
إنه اختبار حقيقي لمدى احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
والتاريخ لا يحاكم الحكومات بما قالته عن نفسها، بل بما تركته وراءها من مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، ومال عام مصان، ومواطن قادر على السؤال دون خوف.
فهل ستختار حكومة المقبلة طريق الشفافية والمحاسبة، أم ستستمر في بناء جدران قانونية تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة؟
ذلك هو السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام. والأيام وحدها ستكشف الجواب