بقلم : أبو ياسين
تعبنا من الانتظار… نعم، تعبنا.
انتظرنا سنوات طويلة ونحن نسمع الكلام نفسه، والوعود نفسها، والشعارات نفسها. انتظرنا أن يأتي ذلك اليوم الذي نستيقظ فيه على وطنٍ أكثر عدلاً، وحياةٍ أكثر كرامة، ومستقبلٍ لا يخيف أبناءنا.
لكن السنوات لم تنتظرنا.
ـ مرّ العمر سريعاً… وكبر الأطفال، وشاب الشباب، وتحول الرجال إلى كهول، ونحن ما زلنا ننتظر.
ـ انتظرنا العمل، فوجدنا البطالة.
ـ انتظرنا السكن، فوجدنا أسعاراً تبتلع الأحلام.
ـ انتظرنا الصحة، فوجدنا المواطن يحسب ألف حساب للمرض.
ـ انتظرنا التعليم، فوجدنا الأسر تكافح من أجل مستقبل أبنائها.
ـ انتظرنا العدالة الاجتماعية، فوجدنا الفوارق تتسع أمام أعيننا.
ـ والأكثر وجعاً أننا لم نعد ننتظر مستقبلنا نحن…
لقد أصبحنا نبني مستقبلاً لأجيال ستأتي بعدنا، بينما جيلنا عاش عمره كله وهو يدفع ثمن الانتظار.
كم من أبٍ كان يحلم أن يرى ابنه في وظيفة محترمة، فإذا به بعد سنوات لا يزال يساعده بما تبقى من راتبه؟
وكم من أمٍ أفنت عمرها وهي تحلم ببيت صغير يأوي أبناءها، فإذا بها تدخل مرحلة الشيخوخة وهي ما زالت تخاف من الغد؟
وكم من شاب حمل شهادته، وطرق الأبواب، وانتظر مباراة، وانتظر وظيفة، وانتظر مشروعاً، وانتظر فرصة… حتى أصبح الانتظار نفسه جزءاً من حياته؟
أي مستقبل هذا الذي نؤجل الوصول إليه حتى نشيخ؟
المؤلم أن المواطن لا يطلب المستحيل. لا يريد قصوراً ولا امتيازات. يريد فقط أن يعيش بكرامة، وأن يرى عرق جبينه يعود عليه بحياة أفضل.
ـ يريد أن يطمئن عندما يمرض.
ـ أن يفرح عندما ينجح أبناؤه.
ـ أن يجد عملاً عندما يبحث عنه.
ـ أن يستطيع شراء حاجيات أسرته دون أن يشعر أن راتبه يتبخر قبل نهاية الشهر.
لكن هناك سؤالاً أكثر قسوة من كل الأسئلة:
ـ من سيعيد إلينا السنوات التي ضاعت في الانتظار؟
ـ من يعيد للشاب الذي أصبح كهلاً سنوات شبابه؟
ـ من يعيد للأب الذي أفنى عمره في العمل أحلامه المؤجلة؟
ـ من يعيد للأم سنوات القلق والخوف على أبنائها؟
لا أحد. فالزمن إذا مضى لا يعود.
ولهذا فإن القضية لم تعد قضية حكومة أو حزب أو انتخابات فقط. إنها قضية جيل كامل يشعر أن عمره يتسرب من بين يديه بينما يسمع في كل مرة أن الفرج قريب.
نحن لا نريد أن نورث أبناءنا الغضب واليأس. نريد أن نورثهم وطناً أفضل.
لكن بناء مستقبل الأجيال لا يعني التضحية الدائمة بالجيل الذي بنى هذا الوطن ودفع ثمنه من عمره وعرقه وصبره.
ـ لقد تعبنا من الصبر الذي لا نهاية له.
ـ تعبنا من انتظار الإصلاحات التي تبدأ ولا تكتمل.
ـ تعبنا من المشاريع التي تُعلن ولا يرى المواطن أثرها.
ـ تعبنا من الخطابات التي تتحدث عن المستقبل بينما الحاضر يزداد قسوة.
لقد آن الأوان أن يفهم أصحاب القرار أن وراء كل رقم في تقاريرهم إنساناً، ووراء كل نسبة بطالة شاباً ينتظر، ووراء كل ارتفاع في الأسعار أسرةً تحذف شيئاً من مائدتها، ووراء كل سنة ضائعة عُمراً لن يعود.
لا تجعلوا المغاربة ينتظرون حتى يشيب آخر أمل في عيونهم.
فالشعوب تستطيع أن تصبر، لكنها لا تستطيع أن تستعيد أعمارها.
والتاريخ لا يسأل فقط: ماذا وعدتم الناس؟
بل سيسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلتم قبل أن ينتهي عمر الذين انتظروكم؟
