بقلم : ابو ياسين
في كل نهاية موسم مولاي عبد الله أمغار، لا تنتهي الحكاية بانطفاء الأضواء وطيّ الخيام ورحيل الزوار؛ فهناك أيضاً حكاية أخرى أكثر إنسانية، عنوانها رحيل رجال الدولة والمسؤولين الذين تركوا خلفهم أثراً لا تمحوه حركة التنقيلات.
ومع إسدال الستار على موسم هذه السنة، تتداول الأوساط خبر انتقال الكولونيل حميد الخطابي، القائد الجهوي للقوات المساعدة، إلى الفقيه بن صالح، في وقت لم يكن قد أكمل عامه الأول على رأس القيادة الجهوية.
والحقيقة أن بعض المسؤولين لا يُقاس حضورهم بعدد السنوات التي قضوها في منصب معين، وإنما بما تركوه خلال تلك الفترة من انضباط، وحضور ميداني، وحسن تدبير، واحترام للمؤسسات، وعلاقات إنسانية راقية.
لقد عرفنا الكولونيل حميد الخطابي عن قرب خلال فترة توليه المسؤولية، ولم يكن حضوره مجرد حضور إداري خلف المكاتب، بل كان اسماً مرتبطاً بالعمل الميداني والانضباط والحرص على أداء المهام في ظروف صعبة، خصوصاً خلال موسم مولاي عبد الله أمغار، حيث تتقاطع المسؤوليات الأمنية والتنظيمية مع أعداد كبيرة من الزوار ومتطلبات الحفاظ على النظام العام.
رحيله إلى الفقيه بن صالح، وإن كان تنقلاً في إطار المسؤولية، يترك بلا شك شيئاً من الفراغ لدى من عرفوه وتعاملوا معه، لأن المناصب تتغير، لكن الرجال يُعرفون بما يتركونه في نفوس الناس.
وليس حميد الخطابي أول مسؤول يغادر الجديدة بعد موسم مولاي عبد الله. فقد عرفت المنطقة، في مراحل سابقة، انتقال عدد من المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بسنوات من العمل والانضباط، من بينهم الكولونيل عبد العزيز مخماخ القائد الجهوي للوقاية المدنية، والكولونيل جمال مكنوني القائد الجهوي للوقاية المدنية، والكولونيل ماجور سمير العربي القائد الجهوي لدرك الملكي، إلى جانب عبد المطلب السملالي القائد الجهوي القوات المساعدة.
أسماء اختلفت مواقعها ومسؤولياتها، لكن القاسم المشترك بينها أنها تركت وراءها صدى طيباً لدى من عايشوا أداءها وتعاملوا معها عن قرب.
في المؤسسات الأمنية وشبه العسكرية، لا يكون النجاح دائماً في القرارات الكبيرة التي تصل إلى صفحات الأخبار، بل كثيراً ما يكون في تفاصيل يومية لا يراها الجمهور: رجل يؤدي مهمته في صمت، مسؤول يحضر في الوقت المناسب، تعليمات تنفذ بانضباط، ومرفق يعمل دون ضجيج.
وهنا تكمن قيمة رجال مثل حميد الخطابي.
قد يرحل المسؤول من مدينة إلى أخرى، وقد تتغير الرتب والمواقع، لكن الانضباط لا يرحل، والسيرة المهنية لا تُنقل بقرار إداري.
لقد كانت مرحلة قصيرة زمنياً، لكنها كانت كافية لكي يتعرف الناس على الرجل قبل أن يتعرفوا على المسؤول، وعلى الإنسان قبل الزي الرسمي.
ومن الجديدة إلى الفقيه بن صالح، نتمنى للكولونيل حميد الخطابي كل التوفيق في مهمته الجديدة، وأن يحمل معه من الجديدة أجمل الذكريات، وأن تفتح له محطته المقبلة أبواباً جديدة للعطاء والنجاح.
أما الجديدة، فستظل تتذكر رجالاً مروا من مؤسساتها، خدموا فيها، انضبطوا في مواقعهم، وتعاملوا مع الناس بما يليق برجال الدولة.
يرحلون عن المكاتب… لكن بعض الرجال لا يرحلون من الذاكرة.
وتلك، في النهاية، هي أجمل شهادة يمكن أن يحصل عليها مسؤول بعد مغادرته منصبه: أن يقول عنه من عرفه عن قرب، كان رجلاً ترك أثراً طيباً.
