adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/21 - 11:46 م



بقلم : ابو ياسين
لم يعد مقبولاً أن تظل قضايا الشباب والفئات الهشة في المغرب مجرد عناوين موسمية تُستحضر عند اشتداد الأزمات، ثم تُدفن من جديد في رفوف الوعود والبرامج الانتظارية. فالمغرب اليوم أمام لحظة سياسية واجتماعية دقيقة، تفرض أكثر من أي وقت مضى الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق معالجة جذورها.
إن تفعيل المؤسسات الدستورية ذات الصلة بالشباب والمجتمع المدني لم يعد ترفاً سياسياً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل أصبح ضرورة وطنية. فالشباب الذي يمثل شريحة واسعة من المجتمع لا يمكن أن يظل خارج دوائر صناعة القرار، ولا يمكن أن تستمر الدولة في الحديث عن المستقبل بينما جزء من هذا المستقبل يشعر بأنه يعيش على هامش الحاضر.
لقد حان الوقت لإرادة حقيقية وتاريخية تعيد الاعتبار للشباب، وتفتح أمامه أبواب المشاركة والمسؤولية والاقتراح، وتمنحه موقعاً فعلياً في صناعة السياسات العمومية، بدل الاكتفاء باستدعائه في الحملات الانتخابية والمناسبات الرسمية.
لا يمكن دفن المشاكل تحت الترقيع المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الحلول الترقيعية التي تؤجل الانفجار الاجتماعي ولا تعالج أسبابه. فحين تتراكم البطالة، وغلاء المعيشة، وأزمة السكن، والهشاشة الاجتماعية، وضعف القدرة الشرائية، فإن تقديم إجراءات ظرفية لا يكفي لإعادة الثقة.
المشكلة ليست في غياب البرامج فقط، وإنما في غياب الأثر الملموس لهذه البرامج في حياة المواطن البسيط.
المواطن لا يريد أرقاماً جميلة في التقارير، ولا شعارات براقة في الخطب؛ يريد عملاً مستقراً، وسكناً لائقاً، وتعليماً جيداً، وعلاجاً يحفظ كرامته، وفرصة حقيقية لأبنائه.
أما أن تتراكم الاختلالات الاجتماعية عاماً بعد عام، ثم تتم محاولة تغطيتها بإجراءات محدودة، فذلك لا يمكن أن يكون سياسة اجتماعية مستدامة.
الحكومة المقبلة أمام اختبار حقيقي ،أياً كان لونها السياسي، لن يكون أمامها ترف الاستمرار في إدارة الملفات الاجتماعية بالطريقة نفسها.
المطلوب ليس منها أن تحل كل مشاكل المغرب في ولاية واحدة، فهذا غير واقعي، وإنما أن تضع أهدافاً واضحة وقابلة للقياس، وأن تتمكن على الأقل من معالجة جزء ملموس من معضلات الفقر والبطالة والسكن الاجتماعي.
حتى معالجة 5 في المئة من الاختلالات الكبرى بشكل حقيقي وملموس، أفضل من عشرات البرامج التي لا يشعر المواطن بأثرها.
المطلوب أن يعرف المواطن: كم وظيفة تم خلقها؟ كم شاباً استفاد من السكن؟ كم أسرة خرجت فعلياً من دائرة الهشاشة؟ كم مشروعاً صغيراً تحول إلى مصدر دخل مستدام؟ وما هي النتائج الحقيقية التي تحققت؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحاصر المسؤول السياسي، وليس ـ ـ ـ فقط سؤال عدد البرامج التي تم إطلاقها.
ـ الشباب المغربي لا ينتظر المعجزات
ـ الشباب المغربي لا يطلب المستحيل.
ـ إنه يريد فرصة.
يريد أن يشعر بأن بلده يحتاج إليه، وأن الكفاءة والاجتهاد يمكن أن يقوداه إلى مستقبل أفضل، وأن الحصول على وظيفة أو سكن أو مشروع ليس حلماً بعيد المنال.
لكن حين يصطدم الشاب بالبطالة، وارتفاع تكاليف الحياة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وتعقيدات سوق الشغل، فإن الإحباط يصبح نتيجة طبيعية.
والأخطر من البطالة نفسها هو فقدان الأمل. فالدولة التي تنجح في بناء الطرق والمشاريع الكبرى وصولا الى تنظيم كأس إفريقيا وكأس العالم .....مطالبة في الوقت نفسه ببناء الإنسان، لأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالإسمنت والخرسانة، وإنما بما يشعر به المواطن داخل بيته وحيه ومكان عمله.
مجلس الشباب يجب ألا يبقى حبيس الانتظار ،إن الحديث عن تفعيل مجلس الشباب والعمل الجمعوي يجب أن ينتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ الفعلي.
فوجود مؤسسة تُعنى بقضايا الشباب والمجتمع المدني يمكن أن يشكل جسراً حقيقياً بين الدولة وهذه الفئة، شريطة ألا تتحول إلى فضاء بروتوكولي آخر، أو مؤسسة تستهلك الوقت والميزانيات دون أثر حقيقي.
المطلوب مجلس يستمع، يقترح، ينتقد، ويراقب أثر السياسات العمومية المتعلقة بالشباب. مجلس لا يخاف من قول الحقيقة، ولا يتحول إلى غرفة لتجميل الواقع.
كفى من تأجيل المستقبل لقد طال الانتظار.
ولا يمكن أن يستمر التعامل مع مشاكل الشعب بمنطق: سنحلها لاحقاً.
فكل سنة تمر دون معالجة حقيقية تعني مزيداً من الأسر التي تتراجع إلى الهشاشة، ومزيداً من الشباب الذين يفقدون الثقة في المستقبل ، ومزيداً من الأحلام التي تتحول إلى إحباط.
إن المغرب يمتلك من الإمكانيات والكفاءات والطاقات البشرية ما يسمح له بتحقيق نتائج أفضل بكثير، لكن المطلوب هو قرار سياسي واضح، وحكامة حقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع المواطن في قلب السياسات العمومية لا في هامشها.
الخلاصة: الدولة الاجتماعية تُقاس بالنتائج ليست عبارة تُكتب في البرامج الحكومية، وإنما واقع يجب أن يلمسه المواطن في حياته اليومية.
فإذا كان المواطن الفقير لا يجد سكناً لائقاً، والشاب لا يجد عملاً، والأسرة عاجزة عن مواجهة تكاليف الحياة، فإن الحديث عن النجاح الاجتماعي سيظل ناقصاً مهما كانت لغة الأرقام.
لقد حان الوقت لقرار سياسي شجاع يعترف بأن هناك اختلالات، ويضع لها أجندة زمنية واضحة، ويحاسب المسؤولين عن تنفيذها.
فالشباب ليس رقماً انتخابياً، والفقراء ليسوا مجرد أرقام في تقارير الإحصاء، والمواطن المغربي ليس رقماً في ميزانية الدولة.
إنه أساس هذا الوطن ومستقبله. ومن أراد أن يحمي استقرار البلاد، فعليه أولاً أن يحمي كرامة المواطن، وأن يمنح الشباب أملاً حقيقياً في المستقبل. حان الوقت لإرادة سياسية حقيقية… لأن الأوطان لا تُبنى بالترقيع، وإنما بالقرارات الشجاعة التي تصنع المستقبل.