لم يكن المشهد عاديا. أكثر من 450 شابا وشابة مغاربة يرمون بأجسادهم في البحر انطلاقا من الفنيدق، ويعبرون سباحة نحو سبتة المحتلة. لم يحملوا حقائب سفر، ولم ينتظروا تأشيرات، ولم يطرقوا أبواب القنصليات. حملوا فقط ما تبقى من أمل مكسور، وقذفوا به في عرض البحر.
اليوم، يفترش هؤلاء الشباب الأرصفة والشوارع في سبتة، ينامون في العراء وينتظرون المجهول. لكن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن هؤلاء لم يغادروا المغرب بحثا عن الرفاهية، بل هربوا من شعور قاتل بالانسداد واليأس وفقدان المعنى.
عندما يتحول البحر إلى خيار أكثر أمنا من المستقبل داخل الوطن، فهناك كارثة حقيقية يجب الاعتراف بها.
لسنوات طويلة، سمع المغاربة خطابات متكررة عن التنمية والإقلاع الاقتصادي وخلق فرص الشغل وتمكين الشباب. لكن الوقائع على الأرض تروي قصة مختلفة تماما. قصة آلاف الخريجين العاطلين، وآلاف الشباب الذين أنهكتهم البطالة والهشاشة وارتفاع الأسعار، حتى أصبح الحلم البسيط بعمل مستقر أو سكن لائق أو حياة كريمة أشبه بمعجزة.
إن مأساة الفنيدق ليست أزمة حدود، بل أزمة ثقة.
أزمة بين الشباب والمؤسسات.
أزمة بين الوعود والواقع.
أزمة بين الأرقام الرسمية والحياة اليومية للمواطنين.
فما الذي يدفع مئات الشباب إلى المخاطرة بالغرق أمام أعين العالم؟ هل هو مجرد إغراء أوروبي كما يردد البعض؟ أم أن الأمر يتعلق بإدانة صامتة لأوضاع داخلية لم تعد قابلة للتجميل بالشعارات؟
الأخطر من ذلك أن صور الشباب الممددين على أرصفة سبتة ليست إهانة لهم، بل إدانة لنا جميعا. إدانة لسياسات لم تستطع تحويل الطاقة الشبابية إلى قوة إنتاج، وإدانة لنموذج تنموي ما زال عاجزا عن توزيع ثمار النمو بشكل عادل، وإدانة لواقع اجتماعي يجعل الهجرة، بكل مخاطرها، تبدو لدى كثيرين أقل قسوة من البقاء.
إن التعامل مع هذه المأساة بمنطق أمني فقط لن يحل شيئا. فالحواجز يمكن أن تمنع العبور يوما أو أسبوعا أو شهرا، لكنها لن تمنع اليأس من البحث عن منفذ آخر. والبحر الذي ابتلع أحلام آلاف الشباب خلال العقود الماضية ما زال مفتوحا على احتمالات أكثر مأساوية.
ما جرى في الفنيدق ليس حادثا معزولا، بل جرس إنذار مدوٍّ. إنه استفتاء شعبي غير معلن أجراه الشباب بأجسادهم لا بأصواتهم. وكانت النتيجة صادمة: مئات المواطنين فضلوا المجهول خارج الوطن على واقع يعيشونه داخله.
والسؤال الذي يجب أن يطارد صناع القرار اليوم ليس كيف وصل هؤلاء إلى سبتة، بل لماذا قرروا المغامرة أصلا؟
لأن الدول لا تُقاس بعدد المشاريع التي تعلن عنها، بل بعدد أبنائها الذين يختارون البقاء فيها. وعندما يصبح البحر طريقا جماعيا للهروب، فإن المشكلة ليست في الأمواج، بل في اليابسة التي لفظت أبناءها.
إن سبتة هذا الأسبوع لم تستقبل مهاجرين فقط، بل استقبلت رسالة قاسية ومؤلمة عنوانها: هناك شباب مغاربة فقدوا الثقة في المستقبل. وأخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الفقر، بل فقدان الأمل.
وأين هي وعود تشغيل الشباب؟
في خضم هذا المشهد المأساوي، لا يمكن تجاهل السؤال السياسي الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا حققت حكومة عزيز أخنوش للشباب المغربي بعد سنوات من الوعود والشعارات؟
لقد رفعت الحكومة منذ تنصيبها سقف التوقعات عاليا، وقدمت برامج متعددة لدعم التشغيل وريادة الأعمال والإدماج الاقتصادي. غير أن صور مئات الشباب وهم يغامرون بحياتهم سباحة نحو سبتة تعكس، في نظر كثير من المنتقدين، فجوة عميقة بين الوعود المعلنة والواقع المعيش.
فإذا كانت مشاريع دعم المقاولات الشابة قد أُطلقت بالفعل، فإن عددا من الشباب ما زالوا يشتكون من تعقيد المساطر، وصعوبة الولوج إلى التمويل، وضعف المواكبة، واستمرار البطالة والهشاشة في العديد من المناطق. والنتيجة أن فئة واسعة من الشباب لم تشعر بعد بالأثر الملموس لهذه البرامج على حياتها اليومية.
إن نجاح أي سياسة عمومية لا يُقاس بعدد البلاغات والمؤتمرات الصحفية، بل بقدرتها على إقناع الشباب بالبقاء في وطنهم وبناء مستقبلهم داخله. وعندما يختار المئات المجازفة بأرواحهم في عرض البحر، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى فعالية السياسات الموجهة للشباب وحول حصيلة الحكومة في هذا الملف الحساس.
قد لا تتحمل حكومة أخنوش وحدها مسؤولية تراكمات سنوات طويلة من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، لكن وجودها في موقع القرار يجعلها مسؤولة سياسيا عن تقديم حلول ملموسة ونتائج قابلة للقياس. أما استمرار نزيف الهجرة السرية بهذا الحجم، فإنه يمنح خصومها السياسيين حجة قوية للقول إن الرهان على الشباب لم يتحول بعد إلى واقع يشعر به الشباب أنفسهم.
إن مشهد شباب الفنيدق ليس مجرد حادث عابر، بل رسالة سياسية واجتماعية قاسية مفادها أن فئة من أبناء هذا الوطن لم تعد ترى في الوعود وحدها ما يكفي لصناعة الأمل