adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/28 - 10:29 ص



بقلم : ابو ياسين
هناك مآسٍ تنتهي بالموت، وهناك مآسٍ تبدأ بعد الموت.
وما يحدث اليوم في سبتة يتجاوز حدود مأساة الهجرة غير النظامية، ليتحول إلى سؤال أخلاقي وإنساني وسياسي كبير: كيف يمكن لشاب مغربي أن يموت بعيداً عن وطنه، ثم يُدفن بعيداً عن أسرته، وفي قبر لا يحمل اسمه، بينما أمه وأبوه وأشقاؤه لا يعرفون أين انتهت حياة ابنهم؟
هذه ليست مجرد أرقام في سجلات الهجرة. إنهم أبناء مغاربة، وشباب، وقاصرون في بعض الحالات، خرجوا بحثاً عن حياة أفضل، فانتهوا جثامين في مياه سبتة، ثم وجد بعضهم نفسه في قبور مرقمة بلا أسماء.
في 21 غشت، بدأت السلطات في سبتة دفن 18 جثماناً مجهول الهوية في المقبرة الإسلامية بسيدي مبارك، وكانت القبور تحمل أرقاماً بدل الأسماء. ثم تواصلت عمليات الدفن، ليرتفع عدد الجثامين مجهولة الهوية المدفونة إلى 42 خلال ثلاثة أيام وفق معطيات .
والأكثر إيلاماً أن هذه الجثامين دُفنت من دون أن تكون أسر أصحابها حاضرة لتوديعهم.
أي وطن يمكن أن يقبل أن يتحول أبناؤه بعد موتهم إلى أرقام؟
وأي مسؤول يستطيع أن ينام مرتاحاً وهو يعلم أن أماً مغربية ربما لا تزال تنتظر اتصالاً يخبرها أين ابنها، وهل هو حي أم ميت؟
الموت لا يسقط حق الإنسان في اسمه .المشكلة في السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع:
هل قامت الدولة المغربية بكل ما يلزم لمعرفة هوية كل جثمان يُعتقد أنه لمواطن مغربي؟
المعطيات تؤكد أن السلطات الإسبانية قامت بأخذ البصمات وعينات الحمض النووي، وأن فرق الشرطة والطب الشرعي اشتغلت على مطابقة الجثامين مع قواعد البيانات، بينما لم يكن قد تم التعرف في مرحلة مبكرة سوى على عدد محدود من الضحايا.
كما أن هيآت حقوقية طالبت بوقف دفن الجثامين إلى حين استنفاد إجراءات التعرف على أصحابها وإعادتهم إلى المغرب، معتبرة أن دفنهم دون تمكين الأسر من معرفة مصير ذويها يمس بكرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم. وهنا يصبح الصمت الرسمي غير مقبول سياسياً وأخلاقياً.
ـ نحن لا نطالب بمعجزة.
ـ نطالب فقط بأن تقوم الدولة بما يجب أن تقوم به عندما يفقد مواطن حياته في الخارج:
ـ تحديد هويته، إخبار أسرته، استرجاع جثمانه، وإعادته إلى وطنه ليدفن بين أهله.
أين اللجنة الوطنية لتحديد هوية الضحايا.....؟ إذا كانت الحكومة تملك كل هذه الإمكانيات والمؤسسات والخبرات، فلماذا لم نشهد منذ الأيام الأولى إعلاناً واضحاً عن خلية أو لجنة وطنية مشتركة تضم وزارة الداخلية، وزارة الخارجية، وزارة العدل، المصالح الأمنية، الطب الشرعي، المختبرات الجينية، والقنصلية المغربية، مهمتها الوحيدة هي:
ـ إحصاء المفقودين، جمع عينات DNA من الأسر، مطابقة البصمات والمعطيات البيومترية، تحديد هوية الجثامين، والتفاوض الفوري على استرجاعها....؟
هذا السؤال مشروع بل هو واجب والدولة التي تستطيع تحريك مؤسساتها في ملفات كثيرة، يجب أن تكون قادرة أيضاً على تحريكها عندما يتعلق الأمر بأرواح أبنائها.
لا يمكن أن يكون المواطن مهماً عندما يدفع الضرائب، أو عندما تحتاج الدولة إلى صوته، ثم يتحول بعد موته إلى رقم في مقبرة أجنبية.
الحكومة مطالبة بتوضيح الحقيقة كاملة والأمانة تقتضي أيضاً الإشارة إلى أن الرواية ليست من طرف واحد.
فقد صرح وزير العدل عبد اللطيف وهبي بأن المغرب لم يرفض استلام الجثامين بشكل اعتباطي، وإنما طالب بالملفات والمعطيات الطبية اللازمة للتأكد من الهويات، وقال إن الرباط لا يمكنها استلام جثامين من دون معرفة أصحابها. كما تحدث عن ضرورة التوصل إلى اتفاق واضح مع إسبانيا بشأن تدبير هذا الملف.
لكن هذا التوضيح لا ينهي الأسئلة.
ـ بل يفتح أسئلة أكبر:
ـ أين الاتفاق؟
ـ أين اللجنة المشتركة؟
ـ أين اللائحة الرسمية للمفقودين؟
ـ كم عدد الجثامين التي تم التعرف عليها؟
ـ كم عدد الجثامين التي لا تزال مجهولة؟
ـ كم عدد الأسر المغربية التي قدمت عينات DNA؟
ولماذا لا تُطلع الحكومة الرأي العام المغربي على حقيقة الملف بكل تفاصيله؟
هذه الأسئلة لا تستهدف الدولة المغربية، وإنما تستهدف غياب المعلومة والشفافية عندما يتعلق الأمر بمأساة إنسانية بهذا الحجم.
من إيطاليا إلى سبتة… ماذا حدث للحلم المغربي؟
لقد سمع المغاربة خلال السنوات الماضية خطابات كثيرة عن التنمية، وعن الدولة الاجتماعية، وعن تحسين ظروف العيش، وعن مغرب الفرص.
لكن المشهد في سبتة يطرح صورة أخرى أكثر قسوة.
آلاف الشباب اندفعوا نحو الحدود، وسط أزمة إنسانية خلفت عشرات القتلى. وتشير التقارير إلى أن أكثر من 72 ألف شخص حاولوا الدخول إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي يومي 30 و31 يوليوز، فيما تجاوز عدد الوفيات 90 شخصاً وفق حصائل إعلامية متقاطعة.
وهنا لا يكفي أن نقول إن هناك شبكات تهريب أو إشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي.
نعم، تلك عوامل يجب التحقيق فيها. لكن السؤال الأكبر يبقى: لماذا أصبح الموت في البحر يبدو لبعض شباب المغرب أقل رعباً من البقاء في وطنهم؟
ـ هذه ليست مسؤولية جهاز أمني وحده.
ـ وليست مسؤولية وزارة واحدة.
إنها قضية دولة، وقضية حكومة، وقضية سياسات عمومية.
"حكومة الباطرونا"… عندما يصبح المواطن آخر من يُفكر فيه
لقد أطلق عليها منتقدوها أوصافاً كثيرة، ومن بينها ما يسميه البعض تهكماً "حكومة الفراقشية"، في إشارة إلى الصورة التي ترسخت لدى جزء من الرأي العام عن حكومة يرى منتقدوها أنها أقرب إلى مصالح رجال الأعمال وأبعد عن معاناة المواطن البسيط.
قد تكون هذه أوصافاً سياسية، لكنها لا يمكن أن تخفي السؤال الحقيقي:
ماذا فعلت هذه الحكومة حتى لا يصل الشاب المغربي إلى مرحلة يرى فيها مستقبله خارج بلده بأي ثمن؟
ارتفاع كلفة الحياة، أزمة السكن، صعوبة الولوج إلى العمل، الشعور بالانسداد، وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على توفير أفق واضح للشباب، كلها ملفات تحتاج إلى معالجة جدية لا إلى خطابات موسمية.
ولا يمكن اختزال مأساة سبتة في "الهجرة السرية" فقط. فهؤلاء الشباب لم يولدوا مهاجرين.
إنهم أبناء مدارس مغربية، أبناء أسر مغربية، أبناء أحياء مغربية، وأبناء وطن كان يفترض أن يمنحهم سبباً للبقاء.
أخطر ما في مأساة سبتة ليس الموت… بل أن يصبح الموت بلا اسم
الموت في الغربة موجع. لكن الموت في قبر بلا اسم أكثر قسوة.
تخيلوا أماً مغربية لا تعرف إن كان القبر رقم 5426 هو قبر ابنها.
تخيلوا أباً ينتظر خبراً منذ أسابيع.
تخيلوا معي عائلة تسمع أخبار دفن عشرات الشباب ولا تعرف هل اسم ابنها بينهم أم لا. هنا لا تعود القضية قضية هجرة.
إنها قضية كرامة إنسانية وحق أساسي للعائلات في معرفة مصير أبنائها هذا هو دور حكومة الباطرونا. ولهذا فإن الحكومة مطالبة، اليوم قبل الغد، بإخراج هذا الملف من دائرة الصمت، وتقديم معطيات رسمية دقيقة للرأي العام. لا نريد جثامين مجهولة… نريد أبناء الوطن بأسمائهم المطلوب ليس المستحيل.
ـ المطلوب لجنة وطنية حقيقية، معلنة وشفافة، تضم المختصين في الطب الشرعي والتحليل الجيني والأمن والقنصلية والقضاء، وتعمل بالتنسيق الكامل مع الجانب الإسباني.
- المطلوب فتح سجل وطني للمفقودين.
ـ المطلوب استقبال أسر المفقودين والاستماع إليها وجمع عينات DNA.
ـ المطلوب مطابقة كل المعطيات مع الجثامين الموجودة في سبتة.
ـ والمطلوب، قبل كل شيء، إعادة كل جثمان مغربي تثبت هويته إلى أسرته، حتى يدفن في أرض وطنه وبين أهله.
أما أن تستمر القبور في استقبال شباب مغاربة بأرقام بدلاً من الأسماء، فهذه ليست نهاية مأساة.
إنها بداية سؤال تاريخي سيبقى مطروحاً: ماذا فعلت الدولة من أجل أبنائها عندما ماتوا بعيداً عنها؟
إن حكومة عزيز أخنوش مطالبة بالإجابة.
- ليس بالبلاغات.
ـ ولا بالشعارات.
ـ ولا بتبادل المسؤوليات مع الطرف الإسباني.
بل بالوثائق والأسماء والأرقام والنتائج. فالوطن الذي يحترم أبناءه لا يتركهم غرباء في الحياة، ولا يسمح بأن يصبحوا غرباء في الموت. وسبتة اليوم لا تحمل فقط قبوراً بلا أسماء… بل تحمل سؤالاً ثقيلاً على جبين المسؤولين: أين كان الوطن عندما كان أبناؤه يبحثون عنه
Next
This is the most recent post.
Previous
رسالة أقدم