بقلم : ابو ياسين
هناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن الذاكرة الشعبية لا تنسى، ولأن صور المآسي لا تمحى بسهولة من وجدان المغاربة. ومن بين أكثر المشاهد التي ستظل راسخة في الذاكرة الوطنية، مأساة زلزال الحوز، حين وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام الموت والدمار، يبحثون عن ذويهم تحت الأنقاض، ويواجهون برد الجبال وقسوة الفاجعة بإمكانيات محدودة.
في تلك اللحظة العصيبة، لم ينتظر المغاربة تعليمات من أحد. تحركت قلوبهم قبل سياراتهم، وامتلأت الطرقات بالمساعدات، وتسابقت الجمعيات والمتطوعون والمواطنون إلى المناطق المنكوبة، حاملين الطعام والدواء والملابس وكل ما استطاعوا تقديمه لإخوانهم في الحوز.
ـ كان المغرب الشعبي هناك.
ـ كان المواطن البسيط هناك.
ـ كانت الجمعيات والمتطوعون هناك.
وكانت روح التضامن الوطني أقوى من كل الحسابات السياسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبمرارة، هو: أين كانت الحكومة عندما كان المواطنون في أمسّ الحاجة إلى الحضور السياسي والإنساني؟
اليوم، وبعد مرور الزمن، تعود الزيارات الرسمية إلى مناطق الحوز، ويعود المسؤولون إلى الواجهة، وكأن الذاكرة يمكن أن تُمسح بمجرد جولة ميدانية أو صورة أمام الكاميرات.
زيارة رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى مناطق الحوز تفتح الباب أمام سؤال مشروع لا علاقة له بالمزايدات السياسية: هل كانت هذه الزيارة تعبيراً عن استمرار التضامن مع سكان المناطق المتضررة، أم أن للسياسة الانتخابية حساباتها الخاصة؟
إذا كانت الغاية إنسانية، فمرحباً بكل مسؤول يزور المواطن في محنته، ويقف إلى جانبه، ويعمل على معالجة جراحه.
أما إذا تحولت معاناة الناس إلى خزّان انتخابي، وإلى مناسبة لاستعادة الأصوات والبحث عن دعم مرشح أو حزب، فهنا تصبح المسألة أكثر خطورة من مجرد زيارة سياسية.
فالمواطن الذي فقد منزله أو قريباً له أو مصدر رزقه لا يجوز أن يتحول إلى ورقة انتخابية.
والمنكوب الذي عاش الرعب تحت الأنقاض لا ينبغي أن يُستدعى إلى الذاكرة السياسية فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع.
الحزن ليس حملة انتخابية، والزلزال ليس برنامجاً انتخابياً، وكرامة المواطن ليست ورقة انتخابية.
من حق أي مواطن أن يسأل: هل نتذكر سكان الحوز لأنهم مواطنون يستحقون الرعاية والإنصاف، أم لأن أصواتهم أصبحت مطلوبة؟
ومن حق الصحافة أن تطرح هذه الأسئلة دون خوف، ومن حق المواطن أن يعرف أين تنتهي المسؤولية الحكومية وأين تبدأ الحسابات الحزبية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة هو أن تتحول المآسي الإنسانية إلى أدوات للاستثمار السياسي. فالسياسة الحقيقية ليست أن تظهر أمام الكاميرات بعد انتهاء العاصفة، وإنما أن تكون حاضراً عندما ينهار البيت، ويضيع الأمان، ويبحث المواطن عن الدولة وسط الركام.
كل التحية والتقدير لكل المغاربة الذين وقفوا إلى جانب إخوانهم في الحوز، ولكل الجمعيات والمتطوعين والمحسنين الذين جعلوا من التضامن الوطني فعلاً حقيقياً لا شعاراً موسمياً.
أما المسؤولون، فليدركوا أن المواطن المغربي ليس ساذجاً، وأن الذاكرة الشعبية أقوى من الحملات الانتخابية، وأن صناديق الاقتراع لا تُفتح على أنقاض المآسي، بل على أساس المحاسبة والإنجاز والثقة.
وإذا كان البعض يعتقد أن زيارة متأخرة يمكن أن تمحو ما عاشه المواطنون من ألم، أو أن صورة انتخابية قادرة على صناعة الامتنان، فهو يخطئ قراءة المغرب والمغاربة.
فالناس قد يسامحون، وقد يصمتون، لكنهم لا ينسون.
والتاريخ لا يحاسب المسؤولين على عدد الصور التي التُقطت أمام الكاميرات، وإنما يحاسبهم على ما فعلوه عندما كان المواطن في أشد الحاجة إليهم.
إنها ليست دعوة إلى منع المسؤولين من زيارة الحوز، بل دعوة إلى احترام حرمة المأساة، وإلى الفصل بين واجب الدولة في خدمة المواطنين وبين الحسابات الانتخابية.
فالسياسة التي تبدأ من وجع الناس وتنتهي عند صندوق الاقتراع ليست تضامناً… إنها استثمار في الألم.
وهذه، إن ثبتت النية وتحولت المأساة إلى وسيلة انتخابية، ليست فقط وقاحة سياسية، بل إساءة إلى ذاكرة ضحايا الزلزال وإلى كرامة كل مواطن مغربي وقف يوماً إلى جانب أخيه في أحلك الظروف.
الحوز ليس ورقة انتخابية… والحزن المغربي ليس سلعة سياسية.
