adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/22 - 10:45 ص



بقلم : ابو ياسين
حين تتحول السلطة التنفيذية إلى مساحة للأسئلة الكبرى
هناك رجال يدخلون الحياة السياسية بحثاً عن صناعة المستقبل، وهناك من تجعلهم قراراتهم السياسية والاقتصادية جزءاً من ذاكرة الشعوب بما حملته من أمل أو خيبة. وفي المغرب، أصبح اسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش مرتبطاً، بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين، بأسئلة ثقيلة حول حصيلة التدبير الحكومي، وارتفاع كلفة المعيشة، وملفات الطاقة والفلاحة والاستثمارات العمومية، وحول مدى احترام مبدأ الفصل بين المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية.
المغاربة لا يحتاجون إلى خطابات تبريرية، بل إلى أجوبة واضحة. من يتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي أثقلت كاهل المواطن؟ ومن يفسر للمغاربة نتائج المخططات والاستراتيجيات التي صرفت عليها أموال ضخمة دون أن تنعكس بالقدر المنتظر على حياتهم اليومية؟
لقد تحولت بعض السياسات العمومية، بدل أن تكون رافعة للتنمية، إلى موضوع دائم للجدل والمساءلة. فالمخطط الأخضر، والمخطط الأزرق، وغيرهما من البرامج القطاعية، تستحق اليوم تقييماً مستقلاً وشفافاً: ماذا أنفقت الدولة؟ من استفاد؟ ما هي النتائج المحققة؟ وما هي الاختلالات التي ينبغي الاعتراف بها بدل دفنها تحت عبارات الإنجاز والنجاح؟
إن انتقاد السياسات العمومية لا يعني إصدار أحكام قضائية على الأشخاص، لكنه يعني ممارسة الحق المشروع في مساءلة من يتحمل المسؤولية السياسية. ولذلك فإن الحديث عن تضارب المصالح أو استغلال النفوذ أو الاستفادة من المشاريع العمومية لا ينبغي أن يبقى مجرد اتهامات متداولة في الشارع أو على منصات التواصل، بل يجب أن يخضع، متى توفرت المعطيات، للتحقيق المؤسساتي والقانوني المستقل.
أما ملف المحروقات، فقد كان ولا يزال أحد أكثر الملفات حساسية في علاقة المواطن بالحكومة. فحين ترتفع الأسعار، لا يشعر المواطن أنه أمام رقم اقتصادي مجرد، بل أمام فاتورة تتسلل إلى النقل والغذاء والخدمات وكل تفاصيل الحياة اليومية. ومن حق المغاربة أن يعرفوا كيف تُحدد الأسعار، ومن يربح، ومن يراقب السوق، وهل توجد منافسة حقيقية وشفافة؟
والأمر نفسه ينطبق على كل الملفات الاقتصادية التي تلامس الحياة اليومية للمواطنين. الدولة ليست شركة خاصة، والمال العام ليس ملكاً لأحد، والمنصب الحكومي ليس حصانة من النقد والمساءلة.
والأخطر من ذلك هو أن تستمر الحكومة في تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الإنجازات، بينما يواجه المواطن واقعاً مختلفاً: ارتفاع الأسعار، صعوبة الولوج إلى السكن، البطالة، هشاشة الدخل، وتراجع القدرة الشرائية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: أين الخلل بين الأرقام الرسمية وبين ما يعيشه الناس؟
إن استقالة رئيس الحكومة من قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، إن تمت أو تمت في سياق سياسي معين، لا تلغي مسؤوليته الدستورية والسياسية ما دام يمارس مهامه الحكومية، كما أن استمرار قيادة الحزب من طرف شخص آخر لا يعني أن الأسئلة المرتبطة بالحكومة قد اختفت. المسؤولية السياسية لا تسقط بتغيير المواقع الحزبية، ولا تنتهي بمجرد إعادة ترتيب الكراسي.
المطلوب اليوم ليس محاكمة سياسية عبر الصحافة، ولا تصفية حسابات، ولا تحويل الإعلام إلى منصة اتهام دون أدلة. المطلوب هو شيء أكثر قوة: فتح الملفات بالأرقام والوثائق، وإخضاع البرامج العمومية للتقييم، والتحقيق في كل شبهة تضارب مصالح، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فإذا كانت الحكومات السابقة قد تركت ملفات شائكة، فإن الحكومة الحالية مطالبة أيضاً بأن تقدم كشف حساب واضحاً أمام الرأي العام. من استفاد من المشاريع؟ كيف رست الصفقات؟ ما هي الشركات التي حصلت على العقود؟ وما هي المعايير المعتمدة؟ وهل استفاد المواطن البسيط فعلاً من السياسات التي صُرفت عليها المليارات؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة دولة المؤسسات.
أما أن يتحول رئيس الحكومة إلى شخصية تبدو في نظر البعض وكأنها فوق النقد أو فوق المساءلة، فذلك أمر لا يستقيم مع روح الدستور ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لا أحد فوق القانون، ولا أحد فوق المؤسسات، ولا أحد فوق النقد المشروع.
المغرب اليوم في حاجة إلى حكومة تقنع المواطن بالنتائج، لا بالخطابات؛ وإلى مسؤولين يقبلون المساءلة بدل الاحتماء بالمواقع؛ وإلى إعلام حر يطرح الأسئلة الصعبة دون خوف، وإلى مؤسسات رقابية وقضائية تقوم بأدوارها باستقلالية وفعالية.
لقد تعب المواطن من الوعود، وتعب من انتظار نتائج لا تأتي، وتعب من أن يدفع ثمن أخطاء لا يعرف من اتخذ قراراتها.
والرسالة إلى رئيس الحكومة واضحة: التاريخ السياسي لا يكتب بالخطابات، وإنما بما تتركه القرارات في حياة الناس.
فإما أن تكون السياسات العمومية قد نجحت، فلتُعرض نتائجها بالأرقام والوثائق، وإما أن تكون قد أخفقت، فليتحمل المسؤولون مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية.
أما ترك مليارات الدولة في دائرة الغموض، وترك المواطن وحيداً أمام الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، ثم مطالبة الناس بالصمت، فذلك ليس حكامة ولا إصلاحاً.
إن المغرب أكبر من الأشخاص، والدولة أقوى من الحكومات، والمال العام أمانة، والمساءلة ليست مؤامرة… بل هي جوهر الديمقراطية.
Next
This is the most recent post.
Previous
رسالة أقدم