adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/22 - 12:00 ص



بقلم : أبو ياسين
عندما تحاصرك دوائر الجهل في كل مناسبة، وتتحول بعض الخرجات إلى محاكمات مجانية للجسم الصحفي، فاعلم أن ساعة الحقيقة قد حانت، وأن هناك من يريد للصحافة أن تكون مجرد ديكور يصفق، ويهتف، ويصمت حين يجب أن يتكلم.
الغريب أن بعض الأصوات تتعامل مع الصحفي وكأنه يحمل عصا موسى، وكأن الصحافة مطالبة بأن تحل كل أزمات المجتمع، وأن تتحمل أخطاء المؤسسات، وأن تبرر فشل المسؤولين، وأن تصنع المعجزات في زمن أصبحت فيه الحقيقة نفسها ضحية للتضليل.
الصحفي ليس ساحراً، وليس فوق البشر، وليس مطلوباً منه أن يملك حلولاً سحرية لكل مشاكل الناس. لكنه يملك شيئاً أخطر من كل ذلك: القلم، والسؤال، والقدرة على كشف ما يحاول البعض إخفاءه.
السلطة الرابعة… اسم باقٍ وجوهر يتراجع ،السلطة الرابعة لم تمت، لكنها تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى محاولات متكررة لتفريغها من مضمونها.
فالصحافة الحقيقية ليست ميكروفوناً يُرفع في وجه الناس، ولا هاتفاً محمولاً يُفتح في أي مكان، ولا صفحة مجهولة تنشر ما تشاء ثم تختبئ خلف اسم مستعار.
الصحافة مهنة، وأخلاق، ومسؤولية، وتكوين، وتحقق، واستقلالية.
أما أن يتحول كل من امتلك هاتفاً وميكروفوناً إلى "صحفي"، ثم يبدأ في توزيع الاتهامات والأحكام والشتائم، فهذه ليست صحافة، وإنما إساءة إلى الصحافة وإلى كل من حمل القلم بشرف وناضل سنوات من أجل احترام المهنة.
والأخطر من ذلك أن بعض من يجهلون أبسط قواعد المهنة أصبحوا يتحدثون باسم "صاحبة الجلالة"، وكأن مجرد امتلاك ميكروفون يمنح صاحبه حصانة أخلاقية ومهنية والمسؤولية على عاتق المنبر الذي سلم الاعتماد مراسل لمن لايستحقه وهنا وجب لنيابة العامة التدخل الإيقاف المهزلة.
عندما يصبح الخبر قصة من الخيال ،في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، تعرت أشياء كثيرة كانت في الماضي تختبئ خلف ستار من الصمت.
أصبح كل شخص قادراً على نشر خبر، أو صورة، أو تسجيل، أو رواية. لكن المشكلة ليست في سرعة نقل المعلومة، بل في صدقها.
فبعض من يسمون أنفسهم إعلاميين لا يفرقون بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والإشاعة، وبين النقد والتشهير، وبين السؤال والاتهام.
ينقلون ما يسمعون، ويضيفون إليه من خيالهم، ثم يقدمونه للناس على أنه حقيقة مكتملة الأركان.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
أين المهنية؟ أين التحقق؟ أين المسؤولية؟ وأين أخلاق المهنة؟
فالخبر ليس مساحة لتصفية الحسابات، والميكروفون ليس سلاحاً لتشويه سمعة الناس، وصفحة التواصل الاجتماعي ليست محكمة لإصدار الأحكام على المواطنين والمسؤولين.
الصحافة أخلاق قبل أن تكون شهرة ،الصحافة الحقيقية ليست لمن يبحث عن الشهرة، ولا لمن يريد التقرب من أصحاب القرار، ولا لمن يجعل من المهنة سلماً للمصالح الشخصية.
الصحفي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يقول "لا" عندما يريد الجميع منه أن يقول "نعم".
هو الذي لا يبيع قلمه، ولا يساوم على كرامته، ولا يجعل مهنته وسيلة للتملق.
فالصحفي الشريف لا يخاف إلا الله ، ولا يبحث عن رضا هذا المسؤول أو ذاك، ولا يغير موقفه لأن صاحب النفوذ غضب، ولا يكتب لأن أحدهم دفع، ولا يصمت لأن أحدهم وعد.
القلم الحر قد يزعج، لكنه لا يُشترى ،وبين النقد والسب… مسافة اسمها القانون
ومن المؤسف أن بعض ممارسي الإعلام الرقمي خلطوا بين حرية التعبير وبين الفوضى.
فالسب والقذف والتشهير والإهانة ليست صحافة، كما أن نشر الاتهامات دون أدلة لا يصبح مشروعاً لمجرد أن صاحبه وضع كلمة "إعلام" في صفحته.
حرية الصحافة حق، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية.ومن يعتقد أن الميكروفون يمنحه الحق في إهانة الناس، أو أن آلاف المتابعين تمنحه الحق في صناعة الاتهامات، فعليه أن يفهم أن الشهرة لا تلغي القانون، وأن عدد المشاهدات لا يحول الكذب إلى حقيقة.
لا تهاجموا الصحافة لأن صحفياً أخطأ ،ومن جهة أخرى، لا يجوز اختزال الجسم الصحفي كله في أخطاء بعض الأشخاص.
فكما أن هناك من أساء إلى المهنة، هناك صحفيون أفنوا سنوات من حياتهم في البحث عن الحقيقة "رحمة الله خالد الجامعي"، وتحملوا الضغوط، وواجهوا الإقصاء، ودفعوا ثمن استقلاليتهم "وتوفيق بوعشرين نمودجا".
لذلك فإن كل خطاب جماعي يهاجم الصحافة، أو يضع جميع الصحفيين في سلة واحدة، هو في حد ذاته إساءة إلى مهنة يفترض أن تكون شريكاً في بناء المجتمع ومراقبة الشأن العام.
المطلوب ليس إسكات الصحافة، بل إصلاحها.
وليس محاصرة الصحفيين، بل محاسبة من يسيء إلى المهنة وفق القانون والأخلاق المهنية.
ساعة الحقيقة اليوم لم يعد ممكناً الاستمرار في لعبة الأقنعة.
ـ من يمارس الصحافة فليحترم قواعدها.
ـ ومن يمارس النشاط الرقمي فليتحمل مسؤولية ما ينشر.
ـ ومن يملك ميكروفوناً فليعرف أن الميكروفون لا يصنع صحفياً.
ـ ومن يريد أن ينتقد الصحافة فليكن نقده موجهاً إلى الأخطاء، لا إلى المهنة برمتها.
أما الذين يريدون صحافة بلا أسئلة، وبلا نقد، وبلا كشف للحقائق، وبلا أصوات حرة، فنقول لهم بوضوح: ذلك الزمن انتهى.
فالصحافة التي تستحق أن تسمى سلطة رابعة ليست التي تصفق للسلطة، وإنما التي تراقبها.
ـ وليست التي تخاف من المسؤول، وإنما التي تسأله.
ـ وليست التي تبحث عن الامتيازات، وإنما التي تبحث عن الحقيقة.
وفي النهاية، ستبقى القاعدة الذهبية:
من لا يخاف إلا من الله، لا يخاف من الحقيقة… ومن يخاف من الحقيقة، هو الذي يجب أن يقلق من الأقلام الحرة