adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/26 - 7:02 م



بقلم : ابو ياسين
في العلاقات بين الدول، هناك فرق كبير بين الضغط السياسي وبين محاولة فرض الإرادة بمنطق التهديد. والمملكة المغربية ليست دولة يمكن دفعها إلى الزاوية بسهولة، ولا بلداً يمكن التعامل معه بمنطق أن مصالحه الاقتصادية والأمنية ستجعله مضطراً دائماً إلى التراجع.
إن ما يجري في محيط العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً بعد أزمة سبتة والتوتر المتصاعد حول الحدود والهجرة، يستوجب من مدريد أن تدرك أن التصعيد قد يكون أسهل من احتواء نتائجه. وقد تحولت أزمة سبتة بالفعل إلى ملف ضاغط على الحكومة الإسبانية، وأصبحت لها تداعيات تتجاوز الحدود إلى السياسة الداخلية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. المغرب ليس الحلقة الأضعف.
هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى من يعتقد أن المملكة يمكن ابتزازها بملفات الهجرة أو التجارة أو الطاقة.
فالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، لم يبقَ رهينة لعلاقة واحدة أو سوق واحدة. لقد وسّع شراكاته الاقتصادية والاستثمارية، وعزز موقعه كبوابة بين أوروبا وإفريقيا، وأصبح ميناء طنجة المتوسط أحد أبرز أوراق القوة اللوجستية في المنطقة. وفي الوقت نفسه، حافظ على علاقات استراتيجية متعددة الاتجاهات.
لكن الأخطر في أي مغامرة سياسية هو الاعتقاد بأن الاقتصاد يمكن أن يكون سلاحاً بلا ارتداد.
إسبانيا نفسها مرتبطة بالمغرب بشبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارية وسلاسل الإنتاج، فيما يمثل البلدان لبعضهما شريكين اقتصاديين مهمين. وبالتالي فإن أي محاولة لاستخدام الاقتصاد كورقة ضغط قد تتحول، إذا خرجت عن السيطرة، إلى خسارة متبادلة بدل أن تكون انتصاراً لطرف على آخر.
أما في مجال الطاقة، فالصورة أكثر تعقيداً من الخطابات السياسية. فالمغرب يستورد جزءاً من حاجاته من الغاز عبر إسبانيا، وفي المقابل توجد بين البلدين بنية تحتية للربط الكهربائي، كما أن إسبانيا نفسها تستفيد من شبكة واسعة من الروابط الكهربائية الأوروبية والمغاربية.
ولهذا فإن من يعتقد أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى عصا لليّ ذراع المغرب يحتاج إلى إعادة قراءة المشهد كاملاً.
المغرب قد يتضرر من اضطراب أي علاقة اقتصادية استراتيجية، وهذا أمر طبيعي، لكنه في المقابل يستطيع البحث عن البدائل وتنويع مصادره وشركائه. أما إسبانيا، فليست في وضع يسمح لها بالاعتقاد أن التصعيد مع المغرب سيكون بلا تكلفة سياسية أو اقتصادية أو أمنية.
ثم هناك ملف لا يمكن تجاهله: الهجرة والأمن. التعاون المغربي الإسباني في هذا المجال ليس تفصيلاً هامشياً، بل مصلحة مشتركة. وحتى الحكومة الإسبانية نفسها تؤكد أهمية التعاون مع المغرب في معالجة تداعيات أزمة سبتة وإعادة من دخلوا بشكل غير نظامي وتعزيز مراقبة الحدود.
لذلك فإن تحويل هذه الملفات إلى أدوات للضغط السياسي قد يفتح الباب أمام أزمة أكبر من قدرة الطرفين على التحكم في مساراتها.
المغرب لا يبحث عن المواجهة، لكنه أيضاً لا يقبل لغة الإملاءات.
وهذه نقطة جوهرية ينبغي أن تفهمها مدريد جيداً.
فالعلاقة المغربية الإسبانية أكبر من حكومة عابرة أو تصريح سياسي أو أزمة حدودية مؤقتة. إنها علاقة جغرافيا وتاريخ ومصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية مشتركة. ومن الحكمة أن تُدار بمنطق المصالح المتبادلة، لا بمنطق اختبار قوة لا يعرف أحد أين يمكن أن ينتهي.
لقد تغير المغرب. ومن الخطأ أن تتعامل معه بعض الدوائر وكأنه المغرب الذي كان ينتظر دائماً القرار الأوروبي حتى يتحرك.
المغرب اليوم يفاوض، يناور، ينوّع شراكاته، ويبني أوراق قوته.
أما إسبانيا، فعليها أن تسأل نفسها قبل رفع سقف التهديدات: هل تستطيع تحمل كلفة أزمة طويلة مع جار يقع على الضفة الأخرى من المضيق، ويرتبط بها اقتصادياً وأمنياً وجيوسياسياً بهذا العمق؟
السياسة ليست استعراض عضلات. والدول القوية لا تحتاج إلى الصراخ.
فالرسالة المغربية التي ينبغي أن تُفهم بهدوء هي: لا نريد التصعيد، لكننا لا نقبل الابتزاز. ولا نبحث عن القطيعة، لكننا لا نقبل أن تتحول المصالح المشتركة إلى أدوات للضغط.
ومن يختبر صبر المملكة المغربية، عليه أولاً أن يحسب جيداً ثمن الاختبار