بقلم : ابو ياسين
في زمنٍ اختلت فيه الموازين، أصبح الهروب من الوطن يُقدَّم على أنه انتصار، وأضحت الهجرة حلماً جماعياً يراود آلاف الشباب. لم يعد النجاح مرتبطاً ببناء المستقبل داخل البلاد، بل صار يُقاس بالقدرة على مغادرتها. وحين تتحول الحدود إلى أبواب نجاة، وتصبح قوارب الهجرة أكثر إغراءً من فرص البقاء، فإن ذلك يدق ناقوس الخطر حول واقعٍ يدفع أبناءه إلى البحث عن الأمل في أماكن أخرى.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي وطن ليس رحيل أبنائه فحسب، بل فقدانهم الإيمان بإمكانية تحقيق أحلامهم فوق ترابه. فالوطن الذي يحتفل شبابه بالمغادرة أكثر مما يحتفلون بالإنجاز داخله، يواجه نزيفاً صامتاً لا تُقاس خسائره بالأرقام، بل بالعقول والكفاءات والطاقات التي تغادره كل يوم.
الهجرة ليست جريمة، والسعي إلى حياة أفضل حق مشروع، لكن المأساة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الرحيل هو الحلم الوحيد، وعندما يتحول البقاء إلى مخاطرة، بينما يُنظر إلى الهروب على أنه النصر الأكبر.
وفي كل مرة ترتفع أرقام الهجرة، يخرج من يسأل: لماذا يرحل الشباب؟ لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا بقي لهم حتى لا يرحلوا؟ فالهجرة ليست نزوة جماعية، ولا موضة عابرة، بل هي في كثير من الأحيان تصويت صامت على واقع لم يعد قادرًا على احتضان طموحات آلاف الشباب والكفاءات.
خلال السنوات الأخيرة، رفعت حكومة عزيز أخنوش شعارات واعدة حول الدولة الاجتماعية، وتحسين مناخ الاستثمار، وخلق فرص الشغل. غير أن جزءًا مهمًا من الرأي العام ما زال ينتظر ترجمة هذه الوعود إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية. فبين ارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار معدلات البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، تتسع هوة الثقة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع.
ولعل أخطر ما في المشهد ليس فقط مغادرة الشباب للبلاد، بل شعور فئات واسعة بأن النجاح أصبح أقرب في الخارج منه في الداخل. فعندما تتحول الهجرة من استثناء إلى حلم جماعي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بجاذبية الدول المستقبلة، بل أيضًا بعجز السياسات العمومية عن توفير شروط الأمل والاستقرار والارتقاء الاجتماعي.
لا أحد يلوم الطيور لأنها تبحث عن سماء أرحب، لكن من حق المواطنين أن يتساءلوا عن الأسباب التي تدفع أبناء هذا الوطن إلى البحث عن مستقبلهم بعيدًا عنه. فالأوطان لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة ولا بحجم المؤشرات الاقتصادية المجردة، بل بقدرتها على إقناع أبنائها بأن لهم مكانًا فيها ومستقبلًا يستحق الانتظار.
إن التحدي الحقيقي أمام حكومة أخنوش اليوم ليس الدفاع عن حصيلتها عبر الأرقام والخطابات، بل استعادة ثقة المواطن المغربي. فحين يشعر الشباب بأن الكفاءة تُكافأ، وأن فرص العيش الكريم متاحة، وأن العدالة الاجتماعية ليست مجرد شعار انتخابي، ستتراجع دوافع الهجرة تلقائيًا. أما استمرار النزيف البشري، فهو رسالة سياسية واجتماعية لا ينبغي الاستخفاف بها، لأنها تعكس فجوة آخذة في الاتساع بين انتظارات المجتمع وأداء السياسات العمومية.
