adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/09/19 - 9:53 م

    


لم تعد الحدود المغربية الإسبانية مجرد خط جغرافي يفصل بين ضفتين، بل أصبحت في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين الرباط ومدريد، حيث تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والهجرة والدبلوماسية ومصالح البلدين.
واليوم، تعود سبتة إلى واجهة الأحداث، بعد تداول تقارير إعلامية إسبانية تفيد بأن السفارة الإسبانية في الرباط حذرت حكومة بيدرو سانشيز من انتشار رسائل على شبكات التواصل الاجتماعي تدعو إلى محاولة دخول جماعي إلى المدينة يوم الأربعاء 23 شتنبر، بالتزامن مع الانتخابات التشريعية المغربية. وبحسب ما أوردته الجريدة laSexta الاسبانية، فإن أصحاب هذه الدعوات يقدمون يوم الاقتراع باعتباره فرصة لاستغلال انشغال الأجهزة الأمنية بتنظيم العملية الانتخابية. وهنا تحديداً تكمن خطورة المسألة.
فإذا كانت تلك الدعوات مجرد تحريض رقمي عابر، فإن التعامل معها يجب أن يتم في إطار قانوني وأمني واضح، بعيداً عن التهويل أو تحميل الدولة المغربية مسؤولية أفعال أفراد أو شبكات مجهولة المصدر.
أما إذا كانت هناك محاولة منظمة لاستغلال مناسبة انتخابية مغربية للضغط على الحدود، فإن الأمر يتحول إلى ملف أمني ودبلوماسي يستحق أعلى درجات اليقظة والتنسيق.
الرباط لا يمكن أن تقبل أن تتحول الانتخابات المغربية إلى ورقة للمغامرة على الحدود.
وفي المقابل، فإن مدريد مطالبة أيضاً بالتعامل مع هذه المعلومات بمنطق الدولة والمسؤولية، لا بمنطق الإثارة الإعلامية. فالأمن الحدودي قضية مشتركة، وأي اضطراب كبير في سبتة أو محيطها لن تكون تداعياته إسبانية فقط، بل سيمتد أثره إلى المغرب والاتحاد الأوروبي والمنطقة المتوسطية برمتها.
واللافت أن هذه التحذيرات تأتي بعد أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة خلال نهاية يوليوز، والتي كشفت مرة أخرى الدور المحوري الذي أصبحت تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة المهاجرين وتوجيه تحركاتهم. فقد أشارت تقارير إسبانية، استناداً إلى وثائق وأجهزة أمنية، إلى وجود دعوات رقمية سبقت الدخول الجماعي آنذاك، فيما أكدت الرباط لاحقاً أنها تحقق في دور التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر، وتعهدت بالتعاون بشأن عمليات الإعادة.
ومن هنا، فإن الرسالة الدبلوماسية الأهم اليوم يجب أن تكون واضحة: أمن الحدود لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدات السياسية، ولا إلى ساحة مفتوحة أمام شبكات التواصل الاجتماعي.
فالمغرب، الذي يتحمل جزءاً أساسياً من مسؤولية مراقبة حدوده، مطالب بتشديد اليقظة حول سبتة ومليلية ومواجهة أي تحرك غير قانوني بحزم، خصوصاً إذا ثبت وجود تنظيم أو تحريض أو استغلال ممنهج للشباب والمهاجرين.
وفي المقابل، فإن إسبانيا مطالبة بأن تضع هذه المعلومات في إطار التعاون الأمني القائم مع الرباط، بدل تحويل كل دعوة مجهولة المصدر على منصات التواصل إلى أزمة سياسية جديدة.
الحدود لا تحميها البيانات الصحفية وحدها، وإنما تحميها المسؤولية المشتركة والتنسيق المباشر والوضوح السياسي.
والأهم من ذلك أن تجربة يوليوز الأخيرة أظهرت أن انتشار معلومة مضللة على الهاتف يمكن أن يتحول، في ظرف وجيز، إلى واقع أمني على الأرض. وقد أظهرت وثائق إسبانية أُفرج عنها لاحقاً أن أجهزة مختلفة كانت قد تلقت تحذيرات بشأن دعوات عبر الشبكات الاجتماعية قبل أحداث يوليوز، وهو ما يجعل التعامل مع التحذيرات الجديدة أكثر جدية من الناحية الوقائية، دون أن يعني ذلك أنها تثبت مسبقاً وقوع محاولة جديدة.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى قناة اتصال مغربية إسبانية دائمة للتعامل مع مخاطر التحريض الرقمي والهجرة غير النظامية، بعيداً عن التسريبات الإعلامية والتوترات الظرفية.
فالرباط ومدريد ليستا دولتين متجاورتين فقط، بل شريكان تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، وأي أزمة في سبتة يمكن أن تختبر هذه الشراكة في ساعات قليلة.
أما الرسائل التي تدعو إلى اقتحام الحدود، أياً كان مصدرها، فلا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد منشورات عابرة؛ بل يجب التحقق من طبيعتها ومصدرها وأهدافها، مع حماية الأشخاص المستهدفين بالاستغلال من شبكات الاتجار بالبشر والتحريض. إن حماية الحدود مسؤولية دولة، أما تحويلها إلى مسرح للفوضى فليس انتصاراً لأحد.
وإذا كانت مدريد قد رفعت مستوى التنبيه، فإن الرسالة المقابلة من الرباط ينبغي أن تكون أكثر وضوحاً: لا تساهل مع أي محاولة لخرق الحدود، ولا قبول باستغلال الانتخابات المغربية أو المؤسسات الأمنية المغربية لتحقيق أجندات مجهولة المصادر ، وفي الوقت نفسه لا ينبغي تحميل المغرب مسؤولية دعوات رقمية لم يثبت مصدرها أو الجهة المعادية الواقفة وراءها.
إن قوة العلاقات المغربية الإسبانية لا تُقاس بعدد البيانات المتبادلة عند الأزمات، وإنما بقدرة البلدين على منع الأزمة قبل وقوعها، ومعالجة أسبابها حين تظهر، والحفاظ على منطق الشراكة حتى في أصعب الملفات.
وفي النهاية، تبقى سبتة اختباراً حقيقياً للعقل الدبلوماسي في الضفتين: يقظة أمنية بلا تهويل، وحزم قانوني بلا مزايدات، وتعاون 
   دبلوماسي وأمني ....... بلا ابتزاز سياسي.


Next
This is the most recent post.
Previous
رسالة أقدم