بقلم : ابو ياسين
إن أخطر ما يمكن أن يهدد استقرار أي دولة ليس النقد المسؤول، ولا المطالبة بالإصلاح في إطار الدستور والقانون، وإنما استمرار الاختلالات البنيوية التي تؤدي إلى تآكل ثقة المواطن في المؤسسات، وتُضعف الإحساس بالمساواة أمام القانون، وتُفرغ مبادئ الحكامة الجيدة من مضمونها العملي.
لقد حسم دستور المملكة المغربية لسنة 2011 هذا النقاش عندما جعل من دولة الحق والقانون أساساً للنظام الدستوري، ونص في الفصل السادس على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع، أشخاصاً ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له.
ومن هذا المنطلق، فإن مساءلة السياسات العمومية ليست خروجاً عن الإجماع الوطني، وإنما ممارسة دستورية تندرج ضمن الرقابة المجتمعية التي تكرسها مبادئ الديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد كفل الدستور للمواطن حق الوصول إلى المعلومة بموجب الفصل 27، باعتبار الشفافية مدخلاً أساسياً لتقييم تدبير المال العام، كما ألزم الدولة، بمقتضى الفصل 31، بضمان ولوج المواطنات والمواطنين إلى التعليم والعلاج والشغل والسكن اللائق والعيش الكريم والتنمية المستدامة.
غير أن الواقع يفرض أسئلة ملحة: لماذا لا تزال المدرسة العمومية تعاني صعوبات بنيوية رغم تعاقب برامج الإصلاح؟ ولماذا ما زالت المنظومة الصحية تواجه تحديات مرتبطة بالولوج وجودة الخدمات؟ ولماذا تتراجع القدرة الشرائية للأسر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الضغوط الاقتصادية؟
إن هذه الأسئلة ليست سياسية فقط، بل هي دستورية بامتياز، لأنها ترتبط بمدى وفاء السياسات العمومية بالالتزامات التي أقرها الدستور.
وفي المجال الاقتصادي، أكد الفصل 35 حماية حرية المبادرة والمقاولة والمنافسة المشروعة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين. كما نص الفصل 36 على منع ومعاقبة مختلف أشكال الانحراف المرتبطة بتدبير المال العام، بما في ذلك الرشوة واستغلال النفوذ وتضارب المصالح والامتيازات غير المبررة والممارسات المنافية لقواعد المنافسة الحرة والنزيهة، وذلك وفقاً للقانون وتحت رقابة القضاء والمؤسسات المختصة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش عمومي حول شروط المنافسة، أو تركّز الأسواق، أو الصفقات العمومية، أو فعالية آليات الرقابة، يظل نقاشاً مشروعاً ما دام يستند إلى الوقائع والبيانات الرسمية ويحترم قرينة البراءة واستقلال السلطة القضائية.
لقد أكدت تقارير المؤسسات الدستورية الرقابية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، في أكثر من مناسبة، وجود اختلالات في تدبير عدد من البرامج والمشاريع العمومية، سواء من حيث الحكامة أو النجاعة أو تنفيذ الالتزامات التعاقدية أو تقييم الأثر، وهو ما استدعى إصدار توصيات تروم تحسين الأداء وترشيد الإنفاق العمومي وتعزيز المساءلة.
كما تمارس المجالس الجهوية للحسابات، في إطار القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، اختصاصات رقابية وقضائية مهمة تشمل مراقبة تدبير الجماعات الترابية وهيئاتها، والتدقيق في استعمال الأموال العمومية، وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، بما يعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولم يجعل الدستور هذه المؤسسات مجرد أجهزة تقنية، بل منحها مكانة دستورية من خلال الفصل 159، الذي يؤكد أن المجلس الأعلى للحسابات يتولى حماية مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة المتعلقة بتدبير الأموال العمومية، ويساهم في تخليق الحياة العامة وترسيخ المسؤولية داخل المرافق العمومية.
وفي السياق نفسه، يضطلع مجلس المنافسة بدور محوري في حماية حرية المنافسة وضمان شفافية العلاقات الاقتصادية والتصدي للممارسات المنافية للمنافسة كلما ثبتت وفق الآليات القانونية، بما يسهم في حماية الاقتصاد الوطني والمستهلك وتعزيز الثقة في السوق.
غير أن المواطن، وهو يتابع هذه المقتضيات الدستورية والمؤسساتية، يتطلع قبل كل شيء إلى رؤية أثرها في حياته اليومية. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بعدد الخطط والاستراتيجيات، ولا بحجم الاعتمادات المالية المعلنة، وإنما بمدى تحسن جودة المدرسة العمومية، وتوفر العلاج اللائق، وخلق فرص الشغل، واستقرار الأسعار، وحماية قدرته الشرائية، وضمان تكافؤ الفرص، وصيانة المال العام.
لقد عبّر المغاربة، في مناسبات عديدة، عن تمسكهم الراسخ بمحاربة الفساد وترسيخ النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها مدخلاً أساسياً لبناء الثقة في المؤسسات وتعزيز الاستثمار وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما أظهرت النقاشات العمومية الواسعة حول تقارير الرقابة وتدبير بعض القطاعات الحيوية أن الرأي العام أصبح أكثر مطالبة بالشفافية والإفصاح والمساءلة، في إطار احترام المؤسسات وسيادة القانون.
إن استقرار الوطن لا يتحقق بإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح، وإنما بتقوية المؤسسات، واحترام الدستور، وتفعيل القانون على الجميع دون استثناء، وتسريع وتيرة تنفيذ توصيات مؤسسات الحكامة والرقابة، وضمان استقلال القضاء، وربط كل مسؤولية بالمحاسبة وفق الإجراءات القانونية.
فالدول لا تضعف بسبب النقد المسؤول، وإنما عندما تتراجع الثقة في العدالة، وتتسع الفجوة بين النصوص والتطبيق، وتتعطل آليات الرقابة، وتتأخر الإصلاحات، وتغيب النجاعة في تدبير الشأن العام.
إن المغرب يمتلك دستوراً متقدماً، ومؤسسات رقابية دستورية، وإرادة معلنة لترسيخ دولة القانون. ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من قوة النصوص إلى قوة الممارسة، ومن إعلان المبادئ إلى تجسيدها في السياسات العمومية، لأن حماية الوطن لا تكون بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية، واقتصاد تنافسي، وإدارة نزيهة، وعدالة مستقلة، ومحاسبة فعلية، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن
