بقلم : ابو ياسين
لم تكن تلك الطفلة التي رفعت علامة النصر بعد وصولها إلى سبتة بحاجة إلى مؤتمر صحفي كي تشرح رسالتها. لم تكن بحاجة إلى محللين سياسيين ولا إلى تقارير المؤسسات الدولية. إصبعان مرفوعان نحو السماء كانا كافيين لإدانة واقع بأكمله.
في تلك اللحظة، لم تكن الطفلة تحتفل بعبور البحر فقط، بل كانت تعلن انتصار فكرة الهروب على فكرة البقاء. كانت تقول، دون أن تنطق بكلمة واحدة، إن الوصول إلى الضفة الأخرى أصبح في نظر كثيرين إنجازاً أكبر من النجاح داخل الوطن.
إنها صورة موجعة لأنها تضع المجتمع والدولة والأحزاب والنخب أمام مرآة قاسية لا ترحم.
كيف وصلنا إلى مرحلة يتحول فيها البحر إلى أمل، بينما يتحول الوطن إلى مصدر خوف وقلق وإحباط؟
كل يوم تبتلع الأمواج شباباً في مقتبل العمر. كل يوم تتحول أخبار الغرق إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار. وكل يوم تتسع قناعة خطيرة لدى آلاف الشباب بأن المستقبل يوجد خارج الحدود لا داخلها. هذه ليست أزمة هجرة فقط، بل أزمة ثقة عميقة بين المواطن وواقعه.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الناس بالبحث عن فرصة عمل أو تأمين لقمة العيش، تبدو الساحة السياسية غارقة في صراعاتها الخاصة. أحزاب تتصارع على المواقع والمقاعد والحسابات الانتخابية، وكأن البلاد تعيش حالة ازدهار تاريخي لا موجة نزيف بشري متواصلة. المواطن يرى السياسيين يتنازعون على اقتسام النفوذ بينما يتنازع أبناؤه مع الأمواج من أجل فرصة للنجاة.
الأكثر خطورة أن الهجرة لم تعد قراراً فردياً معزولاً، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واسعة. شباب، قاصرون، عاطلون، خريجو جامعات، بل وحتى متقدمون في السن. الجميع أصبح ينظر إلى الضفة الأخرى باعتبارها الخلاص الممكن. وعندما يفقد المجتمع ثقته في قدرته على إنتاج الأمل، فإن ناقوس الخطر يكون قد دق منذ زمن.
أما القوات العمومية فتجد نفسها في الخطوط الأمامية لمواجهة الظاهرة، منهكة بين واجب فرض القانون وبين موجات بشرية متدفقة لا تعالجها الحواجز ولا الدوريات. فالقضية في جوهرها ليست أمنية فقط، لأن الأمن يستطيع أن يؤخر العبور، لكنه لا يستطيع أن يقتل الرغبة فيه ما دامت أسبابها قائمة.
غلاء المعيشة يثقل كاهل الأسر. البطالة تلتهم أحلام الشباب. وتستمر النقاشات العامة حول أوضاع الحريات ودور الإعلام واستقلالية الصحافة ومستوى الثقة في المؤسسات. وبين كل هذه الملفات تتراكم مشاعر الغضب والخيبة لدى فئات واسعة من المواطنين.
لكن تبقى صورة الطفلة أقسى من كل الإحصائيات.
لقد رفعت علامة النصر وكأنها تقول إن الوطن خسر جولة جديدة. لم يكن انتصارها على البحر، بل على واقع أقنعها بأن المخاطرة بالحياة أقل قسوة من البقاء. وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالدول لا تقاس فقط بالطرق والمشاريع والأرقام الرسمية، بل تقاس أيضاً بقدرتها على جعل أبنائها يتمسكون بها. وعندما يصبح الحلم الجماعي هو المغادرة، وعندما تتحول قوارب الهجرة إلى مشاريع مستقبل، وعندما يصفق الناس لمن نجح في الفرار بدل من نجح في البناء، فذلك مؤشر على خلل عميق لا يمكن إخفاؤه بالشعارات والخطب.
إن صورة الطفلة التي رفعت شارة النصر ليست مجرد لقطة عابرة التقطتها عدسات الهواتف. إنها شهادة سياسية واجتماعية ثقيلة. شهادة تقول إن آلاف الشباب لم يعودوا يبحثون عن طريق نحو المستقبل داخل الوطن، بل عن طريق للخروج منه.
وهذا، قبل أي شيء آخر، سؤال ينبغي أن يقلق الجميع.
