بقلم : ابو ياسين
ليس ما يخيف المواطن اليوم هو وجود الفساد فقط، بل الخوف من أن يتحول الفساد إلى أمر عادي، وأن يصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة بدل الاستثناء. فحين يرى الناس أن ملفات كثيرة تثير الجدل لسنوات دون أن تنتهي إلى نتائج واضحة في نظر الرأي العام، تتراجع الثقة في المؤسسات وتتسع دائرة الإحباط.
لقد رفع المغرب منذ سنوات شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ دستوري أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة. غير أن قوة هذا المبدأ لا تقاس بعدد الخطب والتصريحات، بل بمدى حضوره في الواقع اليومي للمواطن.
ومن بين القضايا التي ظلت تثير النقاش العمومي مسألة الإثراء غير المشروع، التي اعتبرها كثير من المتتبعين إحدى الآليات الضرورية لتعزيز النزاهة والشفافية وحماية المال العام. غير أن تعثر إخراج منظومة قانونية متكاملة وفعالة في هذا المجال فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول أسباب التأخير وحول مدى قدرة المنظومة الحالية على مواجهة كل أشكال استغلال النفوذ والاغتناء غير المبرر.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود المخالفات في حد ذاتها، فذلك أمر تعرفه جميع المجتمعات، بل أن يسود الاعتقاد بأن بعض المسؤولين يمكنهم الإفلات من المساءلة، أو أن المحاسبة تطبق ببطء أو بانتقائية. عندها لا تتضرر صورة المؤسسات فقط، بل تتضرر هيبة القانون نفسه.
المواطن لا يطالب بالانتقام من أحد، ولا بمحاكمات إعلامية، بل يطالب بأمر بسيط وواضح: أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تخضع كل أشكال التدبير والتصرف في المال العام للرقابة والمساءلة، وأن يعرف كل مسؤول أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن السلطة مسؤولية لا امتياز.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الحسم، ومن ثقافة التبرير إلى ثقافة النتائج. فلا تنمية بدون ثقة، ولا ثقة بدون عدالة، ولا عدالة مع استمرار الشعور بالإفلات من العقاب.
إن معركة بناء الدولة الحديثة لا تُحسم بالشعارات، وإنما تُحسم عندما يقتنع المواطن أن القانون لا يميز بين قوي وضعيف، وأن المال العام خط أحمر، وأن كل مسؤول سيُسأل عما تولاه من مسؤولية، مهما كان موقعه أو نفوذه.
ذلك هو الطريق الحقيقي لترجمة التوجيهات الملكية إلى واقع ملموس، وبناء مغرب المؤسسات الذي ينتظره المواطنون.
