بقلم : ابو ياسين
يشهد المغرب خلال هذا الصيف تطورات مقلقة على مستوى ملف الهجرة غير النظامية، بعدما تحولت محاولات العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين إلى مشاهد علنية تتخللها أعمال عنف وفوضى غير مسبوقة. هذه الأحداث لم تعد مجرد وقائع متفرقة، بل أصبحت مؤشراً على أزمة مركبة تتجاوز البعد الأمني لتلامس رهانات سياسية واجتماعية واستراتيجية حساسة.
في الضفة الشمالية للمتوسط، دقت السلطات الإسبانية في سبتة ومليلية ناقوس الخطر، وسط مخاوف متزايدة من موجات هجرة جماعية قد تعيد إلى الواجهة سيناريوهات التوتر التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. أما داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فتتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر في سياسات الهجرة والحدود، في وقت تشير فيه تقارير ومناقشات سياسية إلى توجه نحو تشديد الإجراءات الأمنية والرقابية لحماية الفضاء الأوروبي من الضغوط المتزايدة للهجرة غير النظامية.
هذه التطورات قد تترجم مستقبلاً إلى قوانين أكثر صرامة، ليس فقط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بل أيضاً على مستوى حرية التنقل داخل الفضاء الأوروبي نفسه، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على ملايين المقيمين والوافدين الشرعيين الذين لا علاقة لهم بشبكات الهجرة السرية أو محاولات الاقتحام الجماعي للحدود.
على الصعيد الداخلي، تبدو تداعيات الظاهرة أكثر تعقيداً. فالهجرة العلنية وما يرافقها من مشاهد صدام وعنف أصبحت تربك الحسابات السياسية للأحزاب المغربية وتبعثر أولويات برامجها. فبين من يدعو إلى المعالجة الأمنية الصارمة، ومن يطالب بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية العميقة، يتسع هامش الجدل بينما تتراجع الحلول العملية القادرة على احتواء الظاهرة.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الأحداث بوتيرتها الحالية قد يدفع المغرب إلى مواجهة تحديات أمنية متزايدة، خصوصاً إذا تحولت بعض المناطق إلى بؤر توتر دائمة تستقطب شبكات التهريب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة. وعندها لن تكون الأزمة مرتبطة فقط بالهجرة، بل بمنظومة كاملة من المخاطر العابرة للحدود.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة هجرة عابرة، بل إنذار سياسي وأمني يستوجب قراءة واقعية بعيدة عن الشعارات. فالمغرب يوجد في قلب معادلة إقليمية معقدة تجمع بين الضغوط الاقتصادية، والتقلبات الجيوسياسية، وتشدد السياسات الأوروبية، وتنامي شبكات الهجرة غير النظامية. وأي تأخر في بلورة رؤية استراتيجية متكاملة قد يجعل من صيف 2026 نقطة تحول خطيرة في هذا الملف، بنتائج يصعب التكهن بحدودها أو تداعياتها على استقرار المنطقة بأكملها.
