adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/07/18 - 7:52 م



بقلم : ابو ياسين
عشنا لعقود طويلة تحت تدبير مسؤولين تعاقبوا على مواقع القرار؛ رؤساء مجالس، برلمانيون، قضاة، مسؤولون إداريون وأمنيون، وكل منهم جاء برؤية مختلفة ومنهج مختلف. وإذا كانت مدينة الجديدة نموذجًا معبرًا، فإن المتتبع للشأن المحلي يلاحظ كيف تتغير أولويات التسيير مع كل مرحلة، حتى أصبح المواطن يشعر وكأن المؤسسات تُدار بعقلية الأشخاص لا بمنطق الدولة واستمرارية المرفق العمومي.
فكم من مسؤول شرع في مشاريع وأوراش اعتقد المواطن أنها ستؤسس لتنمية حقيقية، ليأتي من بعده مسؤول آخر فيتخلى عنها أو يعيد ترتيبها وفق تصور جديد، فتضيع الجهود والموارد وتُهدر سنوات من الانتظار. وبين البناء والهدم، وبين الوعود والشعارات، ظل المواطن هو الخاسر الأكبر.
إن الإدارة الحديثة لا تُقاس بأسماء المسؤولين الذين يمرون من مناصبهم، بل بقدرتها على ضمان الاستمرارية واحترام القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الواقع يكشف أن العديد من الملفات ظلت حبيسة الرفوف، وأن مطالب المواطنين في العدالة والشفافية والحكامة الجيدة ما زالت تبحث عن طريقها نحو التنفيذ الفعلي.
لقد أمضت أجيال كاملة ما يزيد عن خمسين سنة وهي تنتظر إصلاحات حقيقية، وقضاءً ناجزًا ونزيهًا، ومجالس منتخبة تلتزم بالبرامج التي وعدت بها المواطنين خلال الحملات الانتخابية. كما ينتظر المواطن تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة بكل صرامة، وعدم التساهل مع كل أشكال تبديد المال العام أو استغلال النفوذ، وفق ما يحدده القانون وتقرره الجهات القضائية المختصة.
إن حماية أمن الوطن واستقراره لا تقتصر على توفير الأمن بمفهومه التقليدي، بل تشمل أيضًا ترسيخ الثقة في المؤسسات، وضمان العدالة، وحسن تدبير الشأن العام، وصيانة المال العام من كل أشكال الهدر. فالدول لا تتقدم بالشعارات، وإنما بسيادة القانون واستمرارية المؤسسات واحترام حقوق المواطنين.
واليوم، لم يعد المواطن يطالب بالمعجزات، بل يطالب فقط بأن تعمل المؤسسات وفق ما أنشئت من أجله، وأن تستمر المشاريع النافعة بغض النظر عن الأشخاص، وأن تكون المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. فالوطن أكبر من الأفراد، والإدارة يجب أن تبقى في خدمة الدولة والمواطن، لا رهينة لتغير المسؤولين وتعاقبهم.
بعد نصف قرن من الانتظار، يحق للمواطن أن يتساءل: متى يصبح احترام القانون واستمرارية المرفق العمومي قاعدة ثابتة لا تتغير بتغير الوجوه والمناصب؟