adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/09/08 - 11:42 م



بقلم : ابو ياسين
في المشهد التشكيلي المعاصر، حيث تتسارع الصورة ويطغى الاستهلاك البصري على كثير من التجارب الفنية، يبرز الفنان رضوان بن زُمُّوري بمسار مختلف، يقوم على التأمل، وعمق المادة، وحرية التأويل. إنها تجربة لا تتعامل مع اللوحة باعتبارها سطحًا للألوان فحسب، بل بوصفها فضاءً معرفيًا تتقاطع داخله الذاكرة والهوية والطبيعة والزمن.
من الصويرة إلى آفاق دولية متعددة، استطاع بن زُمُّوري أن يبني لنفسه لغة بصرية خاصة، تستند إلى كثافة السطح وتراكم المواد وتوتر العلاقة بين المحو والظهور. فالأكريليك، والصبغات الطبيعية، وأوراق الأرشيف، والمساحيق اللونية والمواد المعاد تدويرها، تتحول في أعماله إلى طبقات تحمل آثارًا من الماضي والحاضر، وكأن اللوحة نفسها أصبحت أرشيفًا مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.
من اللون إلى الفكرة
لا يؤدي اللون في تجربة بن زُمُّوري وظيفة جمالية تقليدية فقط؛ إنه يتحول إلى طاقة وجدانية وروحية، وإلى وسيلة لاستحضار حالات داخلية يصعب اختزالها في شكل محدد. أما الأشكال، فلا تقدم نفسها بوصفها إجابات جاهزة، وإنما تترك مساحة واسعة للإيحاء، بما يجعل المتلقي شريكًا في صناعة المعنى.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص تجربته: اللوحة لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُكتشف تدريجيًا. فكل طبقة مادية تحمل احتمالًا، وكل أثر للمحو يفتح سؤالًا، وكل مساحة صامتة تمنح العين فرصة للتأمل.
«بيوفيليا»... حوار مع الطبيعة
وتأتي سلسلة «بيوفيليا» في مقدمة المشاريع التي تكشف هذا المنظور. فالطبيعة عند بن زُمُّوري ليست مجرد منظر أو موضوع بصري، وإنما كيان حيّ يستدعي التأمل في علاقة الإنسان بمحيطه.
من خلال الحقول اللونية العضوية، والإيقاعات المادية، والبنيات التجريدية، تستحضر الأعمال مفاهيم النمو والتحول والتجدد. وبذلك تتحول اللوحة إلى مساحة للمصالحة مع الطبيعة، وفي الوقت نفسه إلى سؤال فني وفلسفي حول علاقتنا بالعالم الحي في زمن تتزايد فيه التحديات البيئية.
التاريخ من زاوية أخرى
وفي مشروعه «بين ضفتين: إعادة تخيّل إستيبانيكو»، ينتقل بن زُمُّوري إلى مساحة أكثر ارتباطًا بالتاريخ والذاكرة والهجرة والهوية.
ومن خلال استلهام شخصية مصطفى أزموري، المعروف بإستيبانيكو، يفتح الفنان نافذة على تاريخ عابر للقارات، وعلى روايات إنسانية لم تحظ دائمًا بالمكانة نفسها داخل السرديات التاريخية الرسمية.
هنا لا يصبح الفن مجرد استعادة للماضي، بل وسيلة لإعادة مساءلته. فالرسم والنحت والتنصيب تتحول إلى أدوات لإعادة التفكير في الذاكرة الاستعمارية، وفي حق الأشخاص والثقافات المهمشة في أن تستعيد حضورها داخل الرواية الإنسانية الكبرى.
تأثيرات تتحول إلى هوية
وتتجلى في تجربة بن زُمُّوري صلة واضحة ببعض المرجعيات الشرقية، ولا سيما الحساسية الجمالية المستمدة من الزن، حيث تحضر قيمة الإيماءة، ويصبح الصمت مساحة أساسية لإنتاج المعنى.
لكن الفنان لا يقف عند حدود التأثر أو الاقتباس؛ بل يعمل على تحويل هذه المرجعيات داخل تجربته الخاصة، لتصبح جزءًا من لغة مستقلة تجمع بين التأمل الداخلي والحساسية المعاصرة.
إنها عملية امتصاص وإعادة بناء، لا تقليد. ومن هنا تأتي خصوصية تجربته التي تبحث عن نقطة التقاء بين الثقافات دون أن تفقد هويتها.
حضور دولي وتكريمات مرموقة
لم تبق هذه التجربة داخل حدود المشهد المحلي، بل شقت طريقها نحو حضور دولي لافت، حيث عُرضت أعمال رضوان بن زُمُّوري في مؤسسات ومتاحف بعدد من بلدان العالم، كما وجدت أعماله طريقها إلى مجموعات عامة وخاصة في دول متعددة.
وفي عام 2024، نال جائزة «فنان العام الدولي» في دبي خلال حفل جوائز دي إم سي الدولية للموضة الفاخرة، ليضاف هذا التتويج إلى مسار من الاعترافات، من بينها جائزة كارافاجيو الدولية في إيطاليا سنة 2018، والجائزة الوطنية لمسابقة وزارة الثقافة المغربية سنة 2013.
كما توجد أعماله ضمن مجموعات فنية ومؤسسات ثقافية في عدد من البلدان، من بينها إيران وكوريا الجنوبية واليونان وإسبانيا، إلى جانب مجموعات خاصة في المغرب وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة وألمانيا والسويد والمملكة العربية السعودية وسويسرا وكوريا الجنوبية وإيران والمكسيك وكولومبيا واليابان والإمارات العربية المتحدة.
وهذا الامتداد الدولي لا يمثل مجرد حضور جغرافي، بل يعكس قدرة التجربة على عبور الحدود الثقافية واللغوية، والدخول في حوار مع حساسيات فنية مختلفة.
فن لا يستعجل المتلقي
في زمن أصبحت فيه الصورة مطالبة بأن تكون سريعة ومباشرة وقابلة للاستهلاك خلال ثوانٍ، يقترح رضوان بن زُمُّوري شيئًا مختلفًا: بطء النظر.
لوحته لا تصرخ كي تلفت الانتباه، ولا تقدم معناها بالكامل من النظرة الأولى. إنها تطلب من المتلقي أن يتوقف، وأن ينظر مرة ثانية، وربما ثالثة، وأن يسمح للعمل بأن يكشف بعض أسراره تدريجيًا.
وهنا تصبح المادة جزءًا من الذاكرة، ويصبح الصمت جزءًا من اللغة، ويغدو التجريد وسيلة للاقتراب من الأشياء التي يصعب التعبير عنها بالكلمات.
حين يصبح الخفيّ موضوعًا للفن
ربما تكمن قوة تجربة بن زُمُّوري في أنها لا تحاول إعادة إنتاج العالم المرئي، بقدر ما تبحث عن ما يوجد خلف المرئي.
إنه يرسم الذاكرة دون أن يرسمها بصورة مباشرة، ويستحضر الطبيعة دون أن يحولها إلى منظر تقليدي، ويتناول التاريخ دون أن يسقط في التوثيق البصري المباشر.
وبذلك تصبح اللوحة منطقة وسطى بين ما نراه وما نتخيله، بين ما نتذكره وما نسيناه، وبين المادة وروحها.
إنها شعرية الخفيّ؛ ذلك الجزء الذي لا يظهر بسهولة، لكنه يظل حاضرًا في الطبقات العميقة للعمل.
خلاصة: تجربة تتجاوز حدود اللوحة
تكشف تجربة رضوان بن زُمُّوري أن الرسم، رغم التحولات الهائلة التي عرفها الفن المعاصر، لا يزال قادرًا على أن يكون مجالًا للمعرفة والتفكير وإعادة اكتشاف الذات والعالم.
فالقيمة الحقيقية في تجربته لا تكمن فقط في التقنية أو في الحضور الدولي أو في الجوائز والتكريمات، وإنما في قدرته على بناء لغة فنية توازن بين الصرامة المفاهيمية والحساسية الشعرية والبحث المادي.
إنها تجربة مغربية تنفتح على العالم دون أن تفقد خصوصيتها، وتجربة دولية تستمد قوتها من جذورها ومن قدرتها على تحويل الذاكرة والطبيعة والتاريخ إلى أسئلة بصرية مفتوحة.
وفي زمن تتسارع فيه الصور حتى تكاد تفقد قدرتها على البقاء، يصرّ بن زُمُّوري على منح الصورة وقتًا آخر؛ وقتًا للتأمل، ووقتًا للذاكرة، ووقتًا لاكتشاف ذلك الخفي الذي لا يظهر إلا لمن يمنح اللوحة حقها الكامل في النظر.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربته: إنه لا يرسم ما نراه فقط، بل يحاول أن يجعلنا نرى ما كنا نظن أنه غير قابل للرؤية.
Next
This is the most recent post.
Previous
رسالة أقدم