adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/07/18 - 8:25 م

 


بقلم : ابو ياسين
على امتداد أكثر من عقدين، لم تخلُ خطابات صاحب الجلالة الملك محمد السادس من الدعوة إلى ترسيخ دولة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، وتخليق الحياة العامة، وجعل الإدارة في خدمة المواطن. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: لماذا لا تزال الفجوة واسعة بين التوجيهات الملكية والواقع الذي يعيشه المواطن في عدد من الجماعات والإدارات؟
في مدينة الجديدة، كما في غيرها من المدن، تعاقب مسؤولون ومنتخبون ومتعاقبون على مواقع القرار، لكن المواطن ظل يراقب المشهد نفسه يتكرر. مشاريع تبدأ ولا تكتمل، برامج تُعلن ثم تختفي، ووعود انتخابية تتبخر بمجرد الوصول إلى المناصب. أما الإدارة، التي يفترض أن تكون مؤسسة قائمة على الاستمرارية، فقد أصبحت في كثير من الأحيان رهينة مزاج المسؤول وتوجهاته الشخصية.
كيف يمكن الحديث عن التنمية في ظل غياب الاستمرارية؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بجدية الإصلاح وهو يرى أن ما يبنيه مسؤول اليوم قد يهدمه مسؤول الغد؟ إن الدولة لا تُبنى بهذه الطريقة، ولا يمكن أن تحقق الإقلاع التنموي إذا ظلت المؤسسات مرتبطة بالأشخاص بدل أن يكون الأشخاص في خدمة المؤسسات.
لقد أكد الملك في أكثر من مناسبة أن المسؤولية ليست امتيازًا بل تكليف، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل قاعدة دستورية. لكن المواطن البسيط ما زال يتساءل عن مآل العديد من الاختلالات التي أهدرت الزمن التنموي، وعن أسباب استمرار مظاهر سوء التدبير التي تستنزف الثقة قبل أن تستنزف الموارد.
إن أخطر ما يواجه الوطن اليوم ليس فقط الفساد أو سوء التسيير، بل تطبيع المجتمع مع هذه الظواهر. حين يصبح المواطن مقتنعًا بأن الشكايات لا تغير شيئًا، وأن الوعود لا تُنفذ، وأن المحاسبة تأتي متأخرة أو لا تأتي أصلًا، فإن الثقة في المؤسسات تتآكل، وتصبح التنمية مجرد شعارات تتكرر في المناسبات الرسمية.
لا أحد فوق القانون، ولا أحد يجب أن يكون بمنأى عن المراقبة والمساءلة. فحماية المال العام ليست مطلبًا سياسيًا ولا شعارًا انتخابيًا، بل هي واجب وطني وأخلاقي ودستوري. وكل درهم يُهدر هو اعتداء على حق المواطنين في التنمية والتعليم والصحة والبنية التحتية.
لقد آن الأوان لأن تتحول مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى ممارسة يومية لا استثناء فيها، وأن يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن المؤسسات تشتغل بمنطق الدولة لا بمنطق الأشخاص.
بعد عقود من الانتظار، لم يعد المواطن يطلب الخطب ولا الوعود. إنه يطلب نتائج ملموسة، ومحاسبة فعلية، وإدارة تحترم استمرارية المرفق العمومي، ومنتخبين يوفون بالتزاماتهم. فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مسؤولين يدركون أن خدمة المواطنين أمانة، وأن التاريخ لا يرحم من أضاع فرص التنمية وأهدر ثقة الناس.
Next
This is the most recent post.
Previous
رسالة أقدم