بقلم الأستاذ عبد الغني فرحتي
عرف السوسيولوجي الألماني الدولة
بكونها " الجماعة التي تحتكر الاستخدام الشرعي للقوة". إنها وحدها التي تمتلك
الحق في اللجوء إلى العنف المادي خاصة في المجتمعات المعاصرة. فالعنف يدخل في تحديد
ماهية الدولة. لقد انتزع من الفرد بل وحتى من الجماعات حق الانتقام الذي لا ينتهي والمهدد
للدولة بالفوضى وطغيان حالة عدم استقرار. فإذا ما تعرض شخص مثلا للاعتداء من طرف آخرين،
لا يجب عليه أن يأخذ حقه بيده، بل ينبغي اللجوء إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها ( الله
يجعل البركة فالمخزن كما هو متداول بين الناس عندنا).
وبالفعل عندما تتعدد مصادر استعمال
القوة وتكثر الجهات التي تلجأ إلى استخدام العنف، كما هو حاصل مثلا في ليبيا، تضطرب
أحوال الدولة وتعم الفوضى وينعدم الأمن.
ومع ذلك، تطرح علاقة الدولة بالقوة والعنف العديد
من التساؤلات نذكر منها: هل حق الدولة في الاستئثار باستخدام القوة حق مطلق لا تحده
حدود؟ من يتحمل مسؤولية ظهور جهات أخرى يبدو وأنها صارت تتخذ من العنف أيضا أداتها
في فرض ذاتها والوصول إلى تحقيق أهدافها، أهداف لا تخدم إطلاقا مصالح المجتمع واستقراره؟
أليس من الأدوار الأساسية الضامنة لاستمرار كيان الدولة الحزم الكامل في مواجهة من
يزاحمها في احتكار حق استخدام القوة؟
يستفاد من تصور ماكس فيبر بأن حق
الدولة في استخدام العنف ليس مطلقا. لا بد وأن يكون عنفا مشروعا يستهدف خدمة الصالح
العام والحفاظ على الحرية وشيوع الأمن وضمان استقرار المجتمع. وهذا الكلام يجرنا إلى
الوقوف عند مسؤولية الدولة في مواجهة كل جهة تبادر إلى ممارسة العنف على الآخرين داخل
المجتمع. لقد فجع الجميع مؤخرا أمام الحدث الذي عرفته مدينة السعيدية، المشهورة بهدوئها
وشيوع الأمن والطمأنينة فيها، والذي انتهى بإزهاق روح بريئة، إثر خلاف مع " حارس
موقف للسيارات" حول مبلغ التعريفة.
لا بد من الاعتراف بان هذا الحدث
ليس فريدا أو استثنائيا. فالعديد من الناس، العديد من السياح، أصبحوا جد قلقين من ظاهرة
"السترات الصفر" التي اكتسحت كل مناطق البلاد وكل أرجاء المدن والقرى. صار
بإمكان أي شخص أن يرتدي "السترة الصفراء" وبدون موجب حق أو قانون، وأن يقف
عند الرصيف، ويبدأ في ابتزاز أرباب السيارات، بطريقة فجة وبألفاظ سوقية وكأن زمن السيبة
قد عاد.
ومادامت أن الظاهرة تعم كل ربوع البلاد ومادام أن
الكل أصبح يشتكي من مضايقات هذا الجيل الجديد من الفتوات الذي يضرب بعرض الحائط القوانين
المعمول بها ولا يهاب سلطة الدولة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا فعلت الدولة
من أجل الدفاع عن حقها في احتكار استخدام العنف المشروع؟ ألا يمس هذا التسيب بهيبتها
ونحن نشاهد هذه "السترات الصفر ( بكسر الصاد ) تبطش بالناس وتحدد التعريفة التي
تريد، حتى بالقرب من إدارات أمنية للدولة؟
لا بد من التنبيه، مدفوعين بالغيرة
على بلادنا، يحركنا الأمل في أن نراها ترتقي على مدارج التقدم والنماء المادي والمعنوي
على حد سواء، إلى أن هناك أوراما غدت تستشري في كيان مجتمعنا وأمست تهدد أمنه واستقراره
( حراس مواقف السيارات غير المرخصين/ الباعة المتجولون واحتلال الشارع العام/ الدراجات
الثلاثية العجلات وما تثيره من فوضى في الطرقات...)، إنه إذا لم تتخذ الإجراءات والتدابير،
على وجه السرعة، الكفيلة بمواجهتها والحد من انعكاساتها الوخيمة، فربما، وهذا ما لا
نتمناه، سيأتي يوم تستفحل فيه هذه الأورام الخبيثة ويصعب بالتالي استئصالها، فتحل ببلدنا
مصيبة " السكتة القلبية".
ونحن ندق ناقوس الخطر منبهين، لا يسعنا إلا أن نردد
ما قاله عاهل البلاد في أحدى خطبه " اتقوا الله في وطنكم".
