adsense

2019/08/05 - 3:52 م

بقلم الدكتور لحسن والنيعام
كان المشهد مرعبا. صعب التحمل. بجميع المقاييس كان بشعا. طفلة تحترق دون أن تجد من ينقدها بعدما اندلعت ألسنة النيران في كل ربوع البيت بحي "النصر" بمنطقة "علال البحراوي"، بالقرب من العاصمة الرباط. لم تجد سوى صراخ وعويل عشرات من النساء والرجال والأطفال يتفجرون على المشهد المرعب.
والبعض منهم ظل "يوثق" بدم بارد الحدث الذي يحاكم الضمير. ضمير الأسرة.
ضمير ساكنة الحي.
ضمير المجتمع.
ضمير السلطات.
ضمير الوقاية المدنية التي لم تتدخل في الوقت المناسب. وعندما تدخلت، زاد التدخل برشاش مياه محتشم في تغذية الغضب الذي عبر صفحات التواصل الاجتماعي ليلة الأحد، 4 غشت 2019، ولا يزال يثير ردود فعل غاضبة.
الطفلة التي قدمت على أن عمرها لا يتجاوز 5 سنوات، ظلت محاصرة في البيت، وألسنة النيران تحيط بها. تقترب من جسدها. ولم تجد سوى نافذة موصدة بشباك حديد، لتحاول الفرار عبرها. لكن بدون جدوى. أطلقت ساقيها إلى الأسفل، بينما النيران تأكل جسدها في منظر لا يمكن تحمله، إلى أن لفظت أنفاسها، بينما تمكنت والدتها من الفرار وسط الحريق برفقة طفلتها الرضيعة.
ماتت الطفلة حرقا في مشهد مرعب. وأعادت إلى الذهن فصول رواية "رجال في الشمس" للروائي الفلسطيني الراحل غسان كنفاني. أعادت إلى الذهن عبارة "لماذا لم تدقوا جدران الخزان" لـ"أبو الخيزران"، وهو يقف موت الضحايا مخنوقين في خزان الشاحنة في صحراء ملتهبة الحرارة. والحقيقة أنهم ظلوا يدقون في الخزان إلى أن لفظوا أنفاسهم اختناقا وعطشا.
لكن من يتحمل المسؤولية في هذا الفاجعة التي لم تتضح بعد ملابساتها الحقيقية. 
ـ الأسرة التي ربما لم تتخذ الاحترازات اللازمة لحماية ابنتها وتأمين بيت سكنها؟
ـ الساكنة التي لم تتدخل في الوقت المناسب لإنقاذ الطفلة واكتفت عوضا عن ذلك بالصراخ والعويل وتصوير المشهد الصادم لتحقيق إنجاز بته عبر شبكات التواصل الاجتماعي. 
ـ الوقاية المدنية التي تأخرت بكثير في التدخل، قبل فوات الآوان. ولما تدخلت، لم تحقق النجاعة؟ ومعها عدد من المؤسسات التي يفترض أن تقدم خدمات القرب للمواطن، لكنها تتعامل باستعلاء وتعامي يوحي في بعض الحالات بوجود ما يشبه "القطيعة" بينها وبين المواطن الذي يفترض أن تخدمه؟
ـ المجتمع برمته الذي يعيش انهيارا في قيم التضامن ونكران الذات والتضحية والعمل الجماعي، مقابل انتصار قيم الفردانية، و"أنا ومن بعدي الطوفان"، وما يرتبط بذلك من أنانية مفرطة، وانتهازية منقطعة النظير؟
إنها بشاعة تسائل الجميع.