adsense

/www.alqalamlhor.com

2015/11/08 - 4:37 م


هو تحول عميق هذا الذي نراه اليوم مع كيفية التعاطي مع طريقة الاحتجاجات الشعبية ، بدء من نقطة الإعلان عليه إلى حين الوصول إلى تلبية المطالب وإقرارها، مرورا بالأشكال الاحتجاجية متعددة الأشكال والأوجه.
إنه تحول يكشف بالملموس حجم التخلي التام عن النقابات، بعدما اختزالت أدوارها في استعراضات الفاتح من ماي أو ما شابه ذلك من كلمات تستقيها قنواتنا الرسمية لزعماء هذه المؤسسات الاجتماعية ، تريد من خلالها الدولة أن تسوق لنا فكرة بائدة مفادها أن النقابات مازلت حية ترزق مضفية عليها نوعا من الشرعية التي افتقدتها في ساحة المعارك الاحتجاجية، بيد أن الواقع قد كشف موتها منذ سنوات دون أن يدري أحد في أي أرض ماتت وفي أي قبر دفنت، فكيف تم هذا الموت الهادئ والبطيء؟، وما هي تجلياته على واقع الحراك الشعبي المطلبي الدائر بالمغرب ؟
إذا قمت بجولة سريعة على مجموع الحركات الاحتجاجية الدائرة اليوم بالمغرب، ستفاجأ بأنها قائمة من غير فعل النقابات و تأطيرها، أسر وجماعات وكتل شعبية اختارت دون تأطير أو توجيه الخروج إلى الشارع ورفع شعارات مطلبية معبرة بها عن مطالبها دون أن ترتكن إلى بروتوكولات نقابية أو إلى زعيم نقابي موجه مرشد، أو إلى أجندة أو برنامج موضوع سلفا، فعل متحرر عن هذا كله، ربما تجد لمواقع التواصل الاجتماعي حصة الأسد في تأطيره، أو إلى فعل شبابي عفوي دبر بليل في أحد صالات اللهو أو المقاهي، ليخرج صبيحة اليوم الموالي للعلن، تتقدمه لافتات منمقة مخطوطة بعناية فائقة وبأحرف بارزة، و شاب في مقتبل العمر يصدح في مكبرات صوت كهربائية، عالية الجودة بشعارات طبخت هي الأخرى في مجمع شبابي ليلي بعيد عن الأنظار والأعين، لتتحرك قوافل الشباب وسط الشوارع دون أن يرى أي أثر لزعيم نقابي، يتقدم الصفوف الأولى أو يافطات كتبت عليها أسماء نقابات بكثرة تقارب أسمائها ومسمياتها لم تعد تفرق بين توجهاتها وشعاراتها المختلطة أصلا.
 الغريب في الأمر، أن الفعل الاحتجاجي بالمغرب اليوم، أصبح يجد نفسه أكثر تحررا وانعتاقا، وهو يباشر عمله دون وصاية من أحد، ودون التأطير النقابي الغارق في التصنيفات والتعقيدات والولاءات السياسية والتوجهات العكسية لإرادته، الفعل الاحتجاجي بالمغرب أصبح أكثر اشتياقا لتأطير موضوعي ذاتي نابع من صميم إرادة مكوناته الشعبية المستقلة عن أي توجه، بعدما أفرزت التجربة النقابية بالمغرب في الآونة الأخيرة نتائج كارثية، خصت ضعف الـتأطير والحشد والضبط، أضف إليها الركوب السياسي الفاضح على كثير من المطالب الشعبية العفوية، ومحاولة التحكم بها بأساليب مبتذلة مرة بالضم عبر إغداق الامتيازات على قائدي هذه المطالب، ومرة أخرى بالضرب عبر افتعال ملفات قضائية لهؤلاء بغية إخراس أصواتهم، واستعملت النقابات جهاز الوسيط في هذا الأمر، ما أفرز تمثلات سوداوية عند صناع الفعل الاجتجاجي بالمغرب، جعل من بصمة الفعل النقابي على حركاتهم الاحتجاجية أمرا غير وارد البثة في فكرهم وطريقة اشتغالهم، والأخطر أنهم آمنوا بشكل ثابت أن فعلا مثل هذا لن يأتي بنفع، وربما سيكون سبة على صورتهم النظيفة الغير الملوثة، التي انطبعت عند مريديهم ومن تحلقوا على شكلهم النضالي.
انظر إلى الحراك الشعبي لسكان طنجة ضد شركة أمانديس، هل تتقدمه يافطة نقابية، ثم حل بالحراك الطلابي بفاس حول الزيادة في تذاكر انخراط سيتي باص هل تأطره نقابة ما، ثم اذهب إلى الدار البيضاء وانظر كيف اندثرت هناك أي سمة للفعل النقابي المؤطر للفعل الاحتجاجي في مدينة اعتبرت نشأة تاريخية لهذا الفعل، فلم تعد ترى من هذه الكائنات المجتمعية سوى زعماء على شاشات التلفزة وقد انتفخت بطونهم و أوداجهم من كثرة الراحة والاستراحة والمعاش الطويل، والامتيازات الموهوبة لهم من طرف من يستمعون لأمرها ويحتكمون لتوجيهها وزارة الداخلية، بيد أن حال من عول عليها من عموم الشعب قد خاب ظنه واندثرت أحلامه، واختفت ورقته المطلبية في سلة مهملات رمي بها تحت طاولة التفاوض السري بين الطرفين .
فهل يعني هذا بداية نشأة فعل نقابي من نوع آخر تؤطره الحركات الاحتجاجية المستقلة ؟ وهل هذا جو صحي على مجموع مناخ الحراك الشعبي الذي بدأ يجد نفسه متحررا من قبضة آلة النقابة ؟ وهل يمكن اعتبار هذا التحرر مؤشر خير على سيرورة الحركات الاحتجاجية ، بعدما فقدت بوصلة التوجيه والإرشاد الضامن لضبطها من أي انزلاق غير محسوب العواقب.