بقلم : ابو ياسين
بين الحقيقة والحكاية، وبين التاريخ وما يُروى في المجالس، يبقى سؤال واحد يطارد الحياة السياسية المغربية: هل ظهرت بعض الأحزاب الجديدة لتوسيع التعددية السياسية، أم أن بعضها كان، في لحظات معينة، جزءاً من هندسة سياسية هدفها موازنة الأحزاب الوطنية والحد من هيمنتها؟
ليست هذه الفكرة وليدة اليوم، وليست مجرد «حجاية» يتناقلها الناس من جيل إلى جيل. فالتاريخ السياسي المغربي نفسه يتحدث عن تصنيفات عُرفت باسم «الأحزاب الإدارية»، إلى جانب الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية والأحزاب اليسارية والإسلامية. كما أن مصادر تاريخية تشير إلى أن بعض التنظيمات السياسية بعد الاستقلال نشأت في سياقات ارتبطت بالصراع حول النفوذ والتوازنات السياسية.
لكن هنا يجب أن نفرّق بين التاريخ الموثق وبين الاتهام السياسي.
فحزب الاستقلال، مثلاً، ارتبط تاريخياً بالحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار، وكان من أبرز القوى السياسية التي ساهمت في معركة الاستقلال. وبعد ذلك عرف المشهد السياسي انشقاقات أدت إلى ولادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم تنظيمات سياسية أخرى.
ومن هنا بدأت الحكاية الأكثر تعقيداً: هل كان تعدد الأحزاب تعبيراً طبيعياً عن اختلاف المجتمع المغربي، أم أن بعض الانقسامات والتأسيسات كانت أيضاً جزءاً من صراع سياسي على موازين القوة؟
الحقيقة أن التاريخ لا يسمح لنا بالإجابة بشعار واحد.
«كوكوت مينيت».. المصطلح الذي يلخص غضب الشارع
المواطن المغربي لا يحتاج إلى درس طويل في تاريخ الأحزاب حتى يشعر بأن شيئاً ما تغير.
كان الحزب في الماضي يحمل فكرة، ومرجعية، وتاريخاً، ومناضلين يعرفون لماذا يدخلون السياسة.
أما اليوم، فالسؤال الذي يطرحه المواطن البسيط أصبح أكثر قسوة:
أين اختفت الأفكار؟ لماذا أصبحت أسماء كثيرة تتغير، والوجوه تتبدل، بينما المشاكل نفسها تعود كل مرة؟
غلاء المعيشة، ضعف الخدمات، أزمة التعليم، صعوبة الحصول على عمل، أزمة السكن، وتراجع الثقة في الخطاب السياسي.
فتتغير اللافتات، وتتغير الألوان، وتتغير الشعارات... لكن المواطن أحياناً يشعر أن المشهد نفسه يعيد إنتاج نفسه بوجوه مختلفة.
وهنا تظهر عبارة «أحزاب كوكوت مينيت» كنوع من السخرية الشعبية من أحزاب يُنظر إليها باعتبارها سريعة التحضير، قليلة العمق، وسهلة الدخول إلى المشهد السياسي.
لكن هل كل حزب جديد هو بالضرورة حزب مصنوع؟
بالطبع لا.فهذا حكم سياسي خطير لا يمكن إطلاقه بلا أدلة. التاريخ يقول شيئاً... والواقع يطرح شيئاً آخر
المصادر التاريخية المغربية والأجنبية تتحدث فعلاً عن وجود ما سمي بالأحزاب الإدارية، بل إن بعض الدراسات تصنفها ضمن تيارات سياسية ظهرت في مراحل مختلفة من تاريخ المغرب. كما أن الحركة الشعبية، التي تأسست سنة 1957، تُذكر في عدد من القراءات التاريخية ضمن هذا السياق السياسي.
ـ لكن المغرب تغير.
ـ والدولة تغيرت.
ـ والمجتمع تغير.
ـ والناخب تغير.
ولهذا فإن إسقاط وصف «حزب الإدارة» على كل حزب ظهر لاحقاً سيكون تبسيطاً للتاريخ، وربما ظلماً لبعض التنظيمات السياسية.
السؤال الحقيقي اليوم ليس: من صنع هذا الحزب؟
بل: من يمنحه الشرعية؟
والجواب في الدولة الديمقراطية يفترض أن يكون واضحاً:
المواطن، عبر الانتخابات، والمؤسسات، والقانون.
فإذا كان الحزب قوياً لأنه يقنع الناس، فليست مشكلة.
وإذا كان ضعيفاً لأنه لا يملك مشروعاً، فليتحمل مسؤولية ضعفه.
أما إذا كان هناك حزب يستمد قوته من غير صناديق الاقتراع أو من غير قواعده الشعبية، فهنا يجب أن يبدأ التحقيق السياسي والإعلامي الحقيقي.
المشكلة ليست في كثرة الأحزاب... بل في غياب المشروع
المغرب لا يحتاج بالضرورة إلى عدد أقل من الأحزاب.
المغرب يحتاج إلى أحزاب أقوى فكرياً، أكثر استقلالية، وأكثر التصاقاً بالمواطن.
الحزب الذي لا يستطيع أن يشرح للشباب ماذا سيقدم لهم، ولا يستطيع أن يواجه أزمة الأسعار، ولا يمتلك تصوراً للتعليم والصحة والشغل والسكن، ولا يملك جواباً عن سؤال الهجرة، ثم يظهر فقط عند الانتخابات، لا يحتاج المواطن إلى تسميته «كوكوت مينيت» حتى يفقد الثقة فيه.
ـ السياسة لا تُقاس بعمر الحزب فقط.
ـ قد يكون الحزب عتيقاً لكنه فقد روحه.
ـ وقد يكون الحزب جديداً لكنه يحمل مشروعاً حقيقياً.
ـ المعيار هو الفعل، وليس تاريخ التأسيس وحده.
ـ وبين الحقيقة والحجاية... ضاع التفسير
ربما لهذا السبب ما زالت «حكاية أحزاب الإدارة» تعود كلما اشتدت الأزمة السياسية.
لأن المواطن عندما لا يجد تفسيراً مقنعاً لبعض التحولات، يبدأ في صناعة تفسيره الخاص.
وحين يرى حزباً تاريخياً يضعف، وحزباً جديداً يصعد، ووجوهاً سياسية تنتقل من موقع إلى آخر، ثم يجد نفس الخطاب تقريباً، يبدأ السؤال:
ـ هل تغيرت الأحزاب أم تغيرت الأسماء فقط؟
ـ وهذا السؤال مشروع.
ـ بل يجب أن يكون مشروعاً في أي ديمقراطية.
ـ لكن الإجابة لا ينبغي أن تكون مؤامرة جاهزة.
نحتاج إلى وثائق، وأرشيف، وشهادات، ودراسات، وتحليل للانتخابات، وتمويل الأحزاب، ومسارات القيادات، وعلاقة التنظيمات بمراكز القرار.
فالتاريخ السياسي لا يُكتب بالإشاعات. ولا يُمحى بالإشاعات.
الحلم الذي لم ينتهِ... ربما المشكلة ليست أنني استيقظت من حلم ولم أجد تفسيره.
المشكلة أنني استيقظت فوجدت الواقع نفسه يحتاج إلى تفسير.
أحزاب تتحدث عن الديمقراطية ، ومواطن يتحدث عن المعيشة.
قيادات تتحدث عن المستقبل، وشباب يفكر في الهجرة.
برامج انتخابية تتحدث عن الإصلاح، وأسر تبحث عن كيفية إنهاء الشهر دون ديون.
وهنا يصبح السؤال أكبر من قصة «كوكوت مينيت»: هل نحن أمام تعددية سياسية حقيقية، أم أمام تعددية في الأسماء أكثر منها تعددية في المشاريع؟
ـ هذا السؤال لا ينبغي أن يخيف أحداً. بل ينبغي أن يوقظ الجميع.
لأن الديمقراطية الحقيقية لا تخاف من الأسئلة، والأحزاب الحقيقية لا تخاف من النقد، والدولة القوية لا تحتاج إلى حكايات لتبرير تاريخها.
أما المواطن، فمن حقه أن يعرف:
ـ من يصنع السياسة؟
ـ ومن يقرر؟
ـ ومن يحاسب؟
ولماذا تتغير الوجوه بينما تبقى الأسئلة نفسها معلقة؟
وبين الحقيقة والحجاية، يبقى التاريخ مفتوحاً على أكثر من رواية.
لكن المؤكد أن زمن المواطن الذي يصدق كل شيء قد انتهى؛ اليوم يريد أن يرى الدليل، لا أن يسمع الحكاية.
