بقلم : ابو ياسين
في المغرب، لم تعد الحكاية تحتاج إلى أرقام البطالة ولا إلى جداول الإحصائيات حتى نفهم ما يجري. يكفي أن تنزل إلى الشارع، أن تجلس مع أسرة مغربية، أن تستمع إلى شاب يتحدث عن مستقبله، أو إلى أب يحاول تدبير مصاريف بيته، حتى تدرك أن هناك شيئاً عميقاً اختل في المعادلة.
المواطن يشتكي… الأسعار تلتهم القدرة الشرائية… الشباب يبحث عن باب للخروج… والسياسيون يتصارعون على الزعامة وكأن المغرب يعيش في كوكب آخر!
والسؤال الذي أصبح يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام أزمة اقتصادية فقط، أم أمام أزمة ثقة وأمل وإحساس بأن المستقبل أصبح مجهولاً؟
المغربي اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له معنى الغلاء. هو يعيشه في جيبه، داخل منزله، وفي السوق، وفي فاتورة الماء والكهرباء في حاجياته اليومية. لم يعد المواطن يحتاج إلى خبير اقتصادي ليخبره بأن قدرته الشرائية تراجعت؛ فالمحفظة نفسها أصبحت شاهدة على ذلك.
لكن المثير للغضب أن الوجوه السياسية تتغير، والخطابات تتغير، والشعارات تتغير، بينما المنهج نفسه يعود إلينا كل مرة بوجه جديد!
نحن أمام وجوه سياسية مختلفة، لكن المواطن يكاد يراها عملة واحدة، بالقيمة نفسها، وبالمنهج نفسه، وباللغة نفسها، وبالوعود نفسها.
فما معنى أن يتغير الشخص إذا لم تتغير طريقة التفكير؟
ما معنى أن يأتي مسؤول ويغادر آخر، بينما المواطن يبقى واقفاً في المكان نفسه؟
هل التغيير هو تغيير الكراسي أم تغيير السياسات؟
لقد أصبح المواطن أكثر وعياً من أن يُخدع بمجرد تبديل الأسماء. لم يعد يريد أن يسمع عن "رجل المرحلة"، ولا عن "الزعيم الجديد"، ولا عن "البديل السياسي"، إذا كان البديل سيأتي بالمنطق نفسه، وبالأدوات نفسها، وبالحسابات الانتخابية نفسها.
المواطن يريد شيئاً أبسط بكثير: أن يعيش بكرامة.
ـ يريد أن يذهب إلى السوق دون أن يشعر بأن كل زيارة معركة.
ـ يريد لشبابه مستقبلاً داخل وطنهم.
ـ يريد مدرسة تنتج الإنسان القادر على بناء حياته، لا مجرد شهادات معلقة على الجدران.
ـ يريد صحة تحفظ كرامته.
ـ يريد سكناً لا يتحول إلى حلم مستحيل.
ـ ويريد سياسة تشعر بآلامه قبل أن تبحث عن أصواته.
لكن يبدو أن بعض السياسيين لا يتذكرون المواطن إلا عندما تقترب الانتخابات.
فجأة يصبح الفقير مهماً، والشاب مهماً، والأسرة مهمة، والقرية مهمة، والحي الشعبي مهماً.
ثم تنتهي الانتخابات...وتعود الوجوه إلى مكاتبها، ويعود المواطن إلى طوابيره، وتعود الوعود إلى الأدراج.
المشكلة ليست في أن تتغير الوجوه، بل في أن يبقى العقل السياسي نفسه.
نحن لا نحتاج إلى استبدال شخص بشخص فقط، ولا حزب بحزب، ولا زعيم بزعيم، ثم نحتفل وكأننا صنعنا ثورة. الثورة الحقيقية هي ـ أن يتغير المنهج.
ـ أن تتغير طريقة إدارة الشأن العام.
ـ أن يصبح المواطن محور القرار وليس مجرد مادة انتخابية.
ـ أن تتحول السياسة من صراع على المواقع إلى منافسة حول البرامج والحلول.
ـ أن يصبح السياسي مسؤولاً أمام الله والوطن وملك البلاد عن نتائج عمله، لا عن قدرته على الكلام والتصوير وإطلاق الشعارات.
لقد سئم المغاربة من السياسة التي تستهلك طاقة المجتمع في المعارك الحزبية، بينما تترك المواطن يواجه وحده قسوة الحياة.
وسئموا من السياسي الذي يتحدث عن الشعب من فوق المنصة، ثم ينسى الشعب عندما يغلق باب مكتبه.
ـ كفى!
ـ كفى تحويل معاناة الناس إلى مادة انتخابية.
ـ كفى استعمال الفئات الهشة جسراً للوصول إلى المواقع.
ـ كفى بيع الأمل في المواسم السياسية ثم ترك الناس أمام وهم وواقع لا يرحم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يغضب المواطن، وإنما أن يصل إلى مرحلة يقول فيها: "لا فرق… كلهم سواء."وهذه الجملة التي يجب أن تخيف كل سياسي.
لأنها تعني أن المواطن لم يعد ينتظر تغيير الأشخاص، بل أصبح يبحث عن تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية نفسها.
الشاب الذي يفكر في الهجرة لا يسأل دائماً عن اسم الحزب الذي يحكم.والأسرة التي تكافح من أجل تدبير حياتها لا يهمها كثيراً من يرفع شعاراً أكثر جمالاً.
والمواطن الذي يبحث عن مستقبل أفضل لا يريد خطباً طويلة.
ـ يريد نتيجة.
ـ يريد أن يشعر بأن الدولة تسمعه.
ـ يريد أن يرى أن السياسة يمكن أن تكون وسيلة لإنصافه، لا مجرد طريق للوصول إلى السلطة.
ولهذا، فإن الرسالة اليوم واضحة: لا تخدعوا المغاربة بتغيير الوجوه إذا كنتم ستبقون على المنهج نفسه. فالمغربي لا يريد نسخة جديدة من القديم.
ـ ولا يريد أن يستبدل اسماً باسم.
ـ ولا يريد أن يرى نفس السياسة ترتدي قميصاً جديداً.
ـ يريد مغرباً جديداً في طريقة التفكير، في طريقة التدبير، وفي علاقة السياسي بالمواطن.
فإذا كان تغيير الوجوه سيعيد إنتاج الأزمة نفسها، فما الفائدة؟
المشكلة ليست دائماً في من يجلس على الكرسي… المشكلة في الطريقة التي يُدار بها الكرسي.
أما تغيير الأشخاص مع بقاء العقلية والمنهج، فليس تغييراً.
إنه مجرد تبديل للديكور، بينما المسرحية مستمرة
