adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/04 - 7:03 م





بقلم : ابو ياسين

لم يحتج المغاربة إلى كثير من الوقت حتى يدركوا حجم الخطأ السياسي الذي ارتُكب عندما غادر رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، البلاد نحو جزيرة مايوركا الإسبانية مباشرة بعد انتهاء مراسم حفل الولاء، تاركا وراءه أسئلة ثقيلة وأزمة متفاقمة كانت تستدعي حضورا سياسيا لا مقعدا شاغرا في قمة السلطة التنفيذية.
لقد كان المشهد صادما بكل المقاييس. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار مشدودة إلى تداعيات أحداث سبتة المحتلة وما رافقها من قلق وغضب وتساؤ
لات، بدا رئيس الحكومة وكأنه اختار إدارة ظهره للحظة الوطنية. وكأن هموم المواطنين يمكن تأجيلها، وكأن الأزمات تنتظر انتهاء العطل الخاصة قبل أن تفرض نفسها على جدول أعمال المسؤولين.
المشكلة ليست في السفر، فالمسؤولون بشر ولهم الحق في الراحة. المشكلة في التوقيت، وفي الرسالة السياسية الكارثية التي بعث بها هذا القرار. فعندما يغادر رئيس الحكومة البلاد في خضم ظرف حساس، فإنه يبعث بإشارة خطيرة مفادها أن ما يحدث لا يستحق البقاء ولا المتابعة ولا تحمل المسؤولية المباشرة أمام الرأي العام.
ثم جاءت العودة المستعجلة لتكشف ما حاولت التبريرات الرسمية إخفاءه. فلو كان الأمر عاديا كما قيل، لما كانت هناك حاجة إلى قطع العطلة والعودة على متن طائرة خاصة في ظرف قياسي. العودة السريعة لم تُنهِ الجدل، بل زادت من حدته، لأنها بدت في نظر كثيرين استجابة متأخرة لضغط الرأي العام الذي رفض هذا الغياب واعتبره استخفافا بحساسية المرحلة.
ما وقع ليس مجرد خطأ في التواصل، بل خطأ في تقدير معنى المسؤولية السياسية. فرئيس الحكومة لا يُقاس حضوره بعدد الاجتماعات والصور الرسمية، بل بقدرته على التواجد عندما تحتاج البلاد إلى قيادة سياسية واضحة. أما الاختفاء عند اشتداد الأزمات ثم العودة تحت وقع الانتقادات، فليس سلوكا ينسجم مع صورة رجل دولة يفترض أنه يقود الجهاز التنفيذي للبلاد.
لقد كشفت هذه الواقعة مرة أخرى عن أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع. فالمواطن الذي يواجه يوميا ضغوطا اقتصادية واجتماعية خانقة، يريد أن يرى مسؤوليه إلى جانبه في اللحظات الصعبة، لا أن يراهم بعيدين عن المشهد وكأن ما يجري لا يعنيهم إلا عندما تتحول الانتقادات إلى عاصفة يصعب تجاهلها.
والأخطر من كل ذلك أن الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالا مؤرقا: هل ما زالت الحكومة تستشعر نبض الشارع وحجم التحديات التي تواجه البلاد، أم أنها أصبحت أسيرة حسابات ضيقة تجعلها عاجزة عن قراءة أبسط الرسائل القادمة من الرأي العام؟
في السياسة، قد تُنسى التصريحات، وقد تُمحى البلاغات من الذاكرة، لكن بعض الصور تبقى عالقة طويلا. وصورة رئيس حكومة يغادر البلاد في لحظة أزمة ثم يعود على عجل تحت ضغط الانتقادات، هي من تلك الصور التي يصعب على الرأي العام أن يتجاوزها بسهولة.