بقلم : ابو ياسين
هناك عبودية لا تحتاج إلى سلاسل في اليدين، ولا إلى زنزانة خلف القضبان، ولا إلى جلاد يقف فوق الرأس. إنها العبودية الفكرية؛ حين يفقد الإنسان قدرته على التفكير، ويبيع قناعته، ويضع صوته ولسانه وإرادته في خدمة من استعبده.
والأخطر من المستبد نفسه، أولئك الذين اختاروا أن يتحولوا إلى أبواق تبرر للجلاد أفعاله، وتدافع عنه مهما ارتكب، وتهاجم كل من يجرؤ على انتقاد ممارساته.
إن العبودية الجسدية قد تنتهي بكسر القيد، أما العبودية الفكرية فتحتاج إلى تحرير العقل أولاً.
المؤلم أن ترى أشخاصاً يدافعون بشراسة عن من أذلهم، ويبررون لمن صادر كرامتهم، بل ويهاجمون كل صوت حر فقط لأنه رفض أن يصفق للسيد. هؤلاء لم يعودوا أسرى القيود، بل أصبحوا أسرى الخوف والمصلحة والتبعية.
وحين يصبح الإنسان مستعداً للدفاع عن جلاده، فالمصيبة لم تعد في الجلاد وحده، وإنما في منظومة كاملة نجحت في تحويل الضحية إلى مدافع عن جلادها.
لا مشكلة في الاختلاف، ولا عيب في الدفاع عن موقف أو شخص. العيب أن يتحول الدفاع إلى إلغاء للعقل والضمير، وأن يصبح الولاء أقوى من الحقيقة، والمصلحة أقوى من الكرامة، والخوف أقوى من قول كلمة الحق.
إن أصحاب الأقلام الحرة لا يقيسون مواقفهم بما يرضي الأقوياء، ولا يبيعون ضمائرهم مقابل امتياز عابر. الصحافة الحقيقية ليست وظيفة لتلميع الوجوه، ولا منصة لحماية أصحاب النفوذ، وإنما مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع والحقيقة.
أما الذين باعوا أجسادهم وأصواتهم لمن يملك القوة، ثم ارتدوا ثوب المدافعين عنه، فعليهم أن يدركوا أن التاريخ لا يحفظ أسماء المصفقين، بل يكشفهم عندما تسقط الأقنعة.
فالجلاد قد يخيف الجسد، لكنه لا يستطيع امتلاك العقل إلا إذا سلّمه صاحبه بإرادته.
ولهذا، فإن معركة الحرية الحقيقية ليست فقط ضد من يمارس الاستبداد، وإنما أيضاً ضد من يحاول صناعة جيل يؤمن بأن الصمت فضيلة، والتبعية حكمة، والتملق شجاعة، والدفاع عن الظلم موقفاً نبيلاً.
ستبقى الكلمة الحرة عصية على التدجين، وسيبقى العقل الحر أكبر من كل سلطة، لأن الإنسان يمكن أن يخسر منصباً أو مالاً أو امتيازاً، لكنه حين يخسر كرامته وضميره يكون قد خسر نفسه.
فالعبودية الفكرية أشد من العبودية الجسدية؛ لأن السجين خلف القضبان يعرف أنه أسير، أما الأسير في عقله فقد يقضي عمره وهو يعتقد أنه حر
