adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/19 - 2:36 ص



بقلم : ابو ياسين
«حين تُبعَد الحمولة الفكرية والإعلامية الجادة، ويُفسَح المجال للتفاهة والسطحية، فإن الأمر لا يعود مجرد إقصاء لأشخاص، بل يصبح إقصاءً للعقل الإعلامي نفسه توفيق بوعشرين نمودجا.»
خرجات إعلامية مسبقة تمهّد الطريق لمرشح بعينه… فهل نحن أمام اختيار مهني أم أمام هندسة جديدة للمشهد الإعلامي؟
حين تتحول بعض الخرجات الإعلامية إلى ما يشبه التمهيد المسبق لمرشح بعينه لعضوية المجلس الوطني للصحافة، يصبح من حق الجسم الصحفي أن يطرح السؤال بصوت مرتفع: هل نحن أمام منافسة مهنية حقيقية، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج المشهد الإعلامي بمنطق الولاءات والمصالح؟
الأمر ليس بسيطاً، لأن المجلس الوطني للصحافة ليس منصة للوجاهة ولا امتيازاً يمنح لمن يملك القدرة على صناعة الضجيج. إنه مؤسسة يفترض أن تكون في مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، وأن تدافع عن أخلاقيات المهنة، وكرامة الصحفي، واستقلالية الإعلام، وحق المجتمع في إعلام مهني مسؤول.
أما أن يتم، من خلال خرجات مسبقة، رسم الطريق أمام أسماء بعينها، وإقصاء الأقلام الحرة والنزيهة، فذلك يبعث برسالة خطيرة إلى كل صحفي يؤمن بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة.
والأخطر من ذلك أن يصبح صانع التفاهة مرشحاً لقيادة قطاع يحتاج إلى الجدية.
كيف يمكن لمن جعل من مآسي الفئات الهشة مادة للاستهلاك الإعلامي أن يقنع الرأي العام بأنه قادر على بناء إعلام مهني يحترم الإنسان وكرامته؟ وكيف يمكن لمنطق الإثارة والفضائح والتفاهة أن ينتج إعلاماً قادراً على مواجهة التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد؟
الإعلام اليوم لم يعد مجرد عناوين وصور ومشاهد تستدرج المشاهدات. الإعلام سلاح استراتيجي، والكلمة يمكن أن تحمي الوطن كما يمكن أن تسيء إلى صورته، خصوصاً في زمن أصبحت فيه المعارك الإعلامية عابرة للحدود، وتُشن عبر المنصات الرقمية بكل الوسائل.
نحن بحاجة إلى إعلام يواجه التضليل بالمعلومة، والتشهير بالتحقيق، والتفاهة بالمهنية، والابتزاز بالأخلاق، والانتهازية بالاستقلالية.
لسنا ضد أي شخص بسبب اسمه أو مهنته، ولسنا بصدد إصدار أحكام مسبقة على أي مرشح. لكننا ضد أن تتحول المؤسسات المهنية إلى مجال لإقصاء الكفاءات وتقديم منطق التفاهة على حساب المهنية.
فإذا كان معيار المرحلة المقبلة هو عدد المشاهدات، وصناعة الإثارة، والمتاجرة بمآسي الناس، فإن الخطر لا يتهدد الصحافة وحدها، بل يتهدد ثقة المواطن في الإعلام كله.
لقد تم إبعاد كثير من الأقلام الحرة، وتراجع حضور الصحفيين الذين دفعوا ثمن استقلاليتهم من سمعتهم ووقتهم ومصالحهم، بينما يجد البعض طريقه معبداً عبر شبكة من التلميع والخرجات الموجهة.
وهنا تحديداً يجب أن يتوقف الجميع.
لأن التاريخ لا يرحم.
وسيأتي يوم يُسأل فيه كل من ساهم في إضعاف الصحافة: لماذا تم إبعاد أصحاب الأقلام الحرة؟ ولماذا جرى تقديم منطق الإثارة على حساب أخلاقيات المهنة؟ ولماذا تحولت بعض المنابر إلى مصانع لإنتاج التفاهة بدل أن تكون مدارس لصناعة الوعي؟
إن المجلس الوطني للصحافة، أياً كانت تركيبته المقبلة، يحتاج إلى رجال ونساء يحملون مشروعاً واضحاً لإنقاذ المهنة، لا إلى أشخاص يبحثون عن موقع داخلها.
نريد مجلساً يدافع عن الصحفي الذي يتعرض للضغط، وعن الصحافة التي تواجه التضييق، وعن المواطن الذي يبحث عن الحقيقة، وعن الوطن الذي يحتاج إلى إعلام وطني قوي ومهني قادر على مواجهة الحملات الإعلامية المضادة.
أما إذا أصبح معيار الاختيار هو من يملك أكبر قدرة على صناعة الضجيج، فحينها لا نستغرب أن يصبح الإعلام نفسه ضحية للإعلام.
وعندما تُسند الأمور إلى غير أهلها، فلا تنتظروا إصلاحاً للمشهد الإعلامي، بل انتظروا المزيد من السقوط.
فالساعة لا تقترب عندما يفشل الإعلام فقط… بل تقترب عندما يصبح الفشل هو من يُقدَّم باعتباره نجاحاً.