بقلم : ابو ياسين
مرة أخرى يعود ملف المحروقات ليفضح واحدة من أكثر الممارسات استفزازا للرأي العام، وهي تحويل المواطن إلى حقل تجارب نفسي، يتم التلاعب بتوقعاته ومخاوفه حتى يقبل بما كان سيرفضه لو قُدم له منذ البداية.
تبدأ الحكاية دائما بنفس السيناريو. تسريبات تتحدث عن زيادات صادمة في أسعار المحروقات، أرقام ثقيلة تثير الغضب والذعر وتدفع المغاربة إلى توقع الأسوأ. ترتفع الأصوات، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي، ويعم الاستياء. ثم فجأة يخرج القرار الحقيقي أقل من المتوقع: درهم واحد بدل ثلاثة. وهنا يطلب من الجميع أن يشعروا بالارتياح، وكأن جيوبهم نجت من الكارثة.
لكن أي منطق هذا؟
هل المطلوب من المواطن أن يشكر من رفع السعر لأنه لم يرفعه أكثر؟ وهل أصبحت الزيادة في حد ذاتها إنجازا لمجرد أنها أقل من الزيادة التي جرى التلويح بها؟
إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها لا تستهدف القدرة الشرائية فقط، بل تستهدف وعي المواطنين أنفسهم. فبدل أن ينصب النقاش على سبب الزيادة ومبرراتها وأثرها على معيشة الناس، يتم تحويل الانتباه نحو مقارنة مصطنعة بين السيئ والأسوأ، ليصبح السيئ فجأة مقبولا، بل ومحمودا أحيانا.
المواطن لا يحتاج إلى خبراء في التسويق السياسي حتى يفهم ما يجري. هو يرى النتيجة مباشرة عند محطة الوقود، وعند بائع الخضر، وعند فاتورة النقل، وعند كل زيادة جديدة تلتهم ما تبقى من قدرته الشرائية. أما الحديث عن أن الزيادة المحدودة انتصار للرأي العام، فهو أشبه بمحاولة إقناع شخص تعرض للسرقة بأن يحتفل لأن اللص لم يأخذ كل ما في جيبه.
لقد تحولت أسعار المحروقات إلى عنوان دائم لاستنزاف الأسر المغربية، بينما تستمر لغة التبريرات والتسريبات والرسائل الموجهة في الدوران داخل الحلقة نفسها. أما المواطن، فهو وحده الذي يؤدي الفاتورة كاملة، من دون أن يملك حق الاعتراض على قواعد اللعبة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا أصبح الرأي العام يتلقى الأخبار الاقتصادية الكبرى عبر التسريبات والبالونات الإعلامية واختبارات ردود الفعل؟ ولماذا يتم إعداد المواطنين نفسيا لتقبل الزيادات بدل البحث عن حلول تخفف عنهم أعباء المعيشة؟
إن المغاربة لا يقيسون الأمور بحجم الزيادة التي تم تجنبها، بل بحجم الأموال التي تغادر جيوبهم كل يوم. ولا يهمهم إن كانت الزيادة درهما أو ثلاثة دراهم عندما تتحول كل زيادة إلى سلسلة متواصلة من الارتفاعات في النقل والغذاء والخدمات.
في النهاية، قد تنجح بعض الجهات في تخفيف حدة الغضب مؤقتا، وقد تنجح في تسويق الزيادة باعتبارها أقل سوءا مما كان متوقعا، لكن الحقيقة تبقى أكثر عنادا من كل أساليب الترويض الإعلامي: المواطن يدفع أكثر، والقدرة الشرائية تتآكل أكثر، والثقة تتراجع أكثر.
أما الباقي، فليس سوى تفاصيل في مسرحية تتغير فيها الأدوار، بينما تبقى الفاتورة دائما في يد المواطن.
