adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/08/04 - 6:58 م



بقلم : ابو ياسين
ليست المأساة في أن يفقد شباب مغاربة والمواطنين حياتهم . لازالت فاجعة زلزال الحوز جرح لم يشفى كان من أعنف الكوارث الطبيعية التي ضربت المغرب، مخلفاً خسائر بشرية ومادية كبيرة وهزّ مشاعر المغاربة. وفي خضم الصدمة، وُجّهت انتقادات لغياب رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن التفاعل السريع مع المأساة، ما أثار جدلاً حول تدبير الحكومة للأزمات وحضورها في مثل هذه اللحظات الصعبة.
وكانت الهجرة العلنية سونامي ابشع من الزلزال الحوز شباب وكهول في عرض البحر وهم يحاولون بلوغ الضفة الأخرى. فهذه الصور المؤلمة أصبحت جزءاً من مشهد يتكرر كلما ضاقت السبل وانسدت الآفاق أمام جيل يبحث عن فرصة للعيش بكرامة. المأساة الحقيقية تكمن في شيء آخر أكثر خطورة: أن يغرق الضحايا في البحر بينما تغرق الحكومة في الصمت..
في الساعات التي أعقبت الفاجعة، كانت العائلات تترقب الأخبار بقلق، وكانت صور الضحايا والمفقودين تنتشر على نطاق واسع، فيما تعالت الأسئلة حول ظروف الحادث وحجمه وتداعياته. لكن وسط كل هذا الألم، كان الغائب الأكبر هو رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش. لا كلمة تعزية، لا رسالة مواساة، لا تصريح يوضح أو يطمئن أو يشرح. وكأن الأمر لا يتعلق بمأساة وطنية هزت مشاعر المغاربة.
في المقابل، ظهر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في المشهد بسرعة ووضوح. تحدث إلى الإعلام، وتابع تطورات الحادث، وقدم موقف حكومته من المأساة. قد يختلف كثيرون مع سياساته أو مواقفه، لكن أحداً لا يستطيع إنكار أنه تصرف كرئيس حكومة يدرك أن الأزمات لا تُدار بالصمت، وأن المسؤولية السياسية تبدأ من مخاطبة المواطنين والرأي العام.
هنا تبرز المفارقة المؤلمة. فالرجل الذي يقود حكومة دولة ترتبط مع المغرب بملفات سياسية وسيادية معقدة، بدا أكثر حضوراً في لحظة الأزمة من رئيس الحكومة المغربية نفسه. كان سانشيز يتحدث، بينما كان أخنوش غائباً. كان الأول يواجه الأسئلة، بينما اختار الثاني الصمت. وكان المغاربة يبحثون عن صوت حكومتهم فلا يجدون سوى الفراغ.
المشكلة لا تتعلق بمجرد هفوة في التواصل أو تأخر في إصدار بلاغ. فالصمت في مثل هذه اللحظات يحمل دلالات سياسية وأخلاقية عميقة. عندما تعجز الحكومة عن تخصيص دقائق معدودة لمواساة شعبها بعد فاجعة إنسانية، فإنها توحي بأن المواطن ليس في صدارة أولوياتها. وعندما تصبح لغة الأرقام والمشاريع والاستثمارات أكثر حضوراً من الحديث عن الأرواح التي أُزهقت والأسر التي فُجعت، فإن الخلل يتجاوز التواصل ليصل إلى جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع.
كيف يمكن لحكومة تتحدث باستمرار عن "الدولة الاجتماعية" أن تلتزم الصمت عندما يتحول اليأس إلى قوارب موت؟ وكيف يمكن لرئيس حكومة لا يفوّت مناسبة للحديث عن حصيلة حكومته وإنجازاتها أن يختفي عندما يتعلق الأمر بمأساة بهذا الحجم؟
الحقيقة أن المغاربة لم يكونوا ينتظرون حلولاً سحرية، ولم يطالبوا بخطابات استثنائية أو وعود كبيرة. كانوا ينتظرون الحد الأدنى من المسؤولية الإنسانية والسياسية: كلمة عزاء، رسالة تضامن، أو إشارة تدل على أن من يدير الشأن العام يشعر بثقل المأساة كما يشعر بها المواطنون. لكن ما وصلهم كان العكس تماماً؛ صمت بارد ترك الانطباع بأن الحكومة بعيدة عن نبض الشارع وعن آلام الناس.
والأخطر أن هذه الفاجعة لا يمكن فصلها عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي. فالشباب الذين يغامرون بحياتهم في البحر لا يفعلون ذلك بحثاً عن المغامرة، بل هرباً من واقع فقدوا فيه الثقة بالمستقبل هو جميل يرفض تجربة اباءهم مع كدب الحكومات المتعاقبة. ولذلك فإن كل مأساة من هذا النوع ليست مجرد حادث عرضي، بل جرس إنذار يكشف عمق الأزمات التي تدفع الآلاف إلى اعتبار المجهول أقل قسوة من واقعهم اليومي.
لقد أثبتت التجارب في مختلف الديمقراطيات أن المواطنين قد يتسامحون مع الأخطاء، لكنهم لا يتسامحون بسهولة مع الغياب. فالحضور في الأزمات ليس ترفاً سياسياً، بل جزء من جوهر المسؤولية. وحين يشعر الناس أن أصواتهم وآلامهم لا تجد صدى لدى من يحكمهم، فإن أزمة الثقة تصبح أخطر من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية أخرى.
لهذا لم يكن الغضب الشعبي موجهاً إلى الصمت في حد ذاته، بل إلى ما كشفه ذلك الصمت من مسافة متزايدة بين الحاكم والمحكوم. مسافة تتسع مع كل أزمة، وتتعمق مع كل غياب، وتتحول تدريجياً إلى شعور جماعي بأن المواطن يُترك وحيداً في أكثر اللحظات قسوة.
وسيظل السؤال قائماً: ماذا كان سيخسر رئيس الحكومة لو خرج بكلمة مواساة للمغاربة؟ في الواقع، لم يكن سيخسر شيئاً. لكن صمته كلّفه الكثير سياسياً ورمزياً، وترك لدى فئات واسعة انطباعاً قاسياً بأن رئيس حكومة إسبانيا كان أكثر حضوراً في المأساة من رئيس حكومة المغرب نفسه