بقلم: أبو ياسين
لم تعد الانتخابات في سيدي بنور مجرد موعد سياسي ينتظر الجميع حلولَه، بل أصبحت، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، امتحاناً حقيقياً لمدى احترام القانون وصيانة إرادة الناخبين.
وفي هذا السياق، جاءت تحركات النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بسيدي بنور لتؤكد أن مرحلة التساهل مع أي سلوك من شأنه المساس بنزاهة العملية الانتخابية ليست مطروحة.
فقد ترأس الأستاذ محمد وداع، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بسيدي بنور، يوم الاثنين 7 شتنبر 2026، الاجتماع الثالث للجنة التنسيق المحلية للنيابة العامة مع مصالح الشرطة القضائية، بحضور مسؤولين أمنيين ورؤساء مختلف الفرق والمصالح القضائية.
اجتماع لم يكن مجرد لقاء إداري عابر، وإنما حمل رسائل واضحة بشأن المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وما تفرضه من يقظة قانونية وأمنية عالية المستوى.
محمد وداع.. عندما يتحول القانون إلى خط أحمر
المعروف عن الأستاذ محمد وداع أن تدبير الملفات الحساسة لا يحتمل لغة الرمادي، وأن احترام القانون ليس شعاراً للاستهلاك، وإنما مسؤولية تفرضها طبيعة المهام الموكولة إلى النيابة العامة.
وخلال الاجتماع، تم تقييم الأبحاث التمهيدية المتعلقة بالشكايات والمحاضر التي ما تزال قيد البحث، ومناقشة الإشكالات المرتبطة بالتنسيق والعمل المشترك بين مختلف المصالح، قبل الانتقال إلى ملف الانتخابات وما يرتبط به من جرائم ومخالفات انتخابية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الرسالة. صندوق الاقتراع ليس منطقة نفوذ، والانتخابات ليست سوقاً، والمواطن ليس سلعة انتخابية.
إلى أصحاب المال الانتخابي: القانون حاضر
مع اقتراب موعد الانتخابات، تبدأ عادة حركة غير عادية في الساحة السياسية: لقاءات، ولائم، وعود، تحركات، وسماسرة يحاولون تحويل أصوات المواطنين إلى أرقام في دفتر حساباتهم.
لكن الرسالة التي يفترض أن يفهمها الجميع اليوم هي أن القانون سيكون حاضراً في كل مراحل العملية الانتخابية.
لا يتعلق الأمر بمرشح معين أو حزب بعينه، وإنما بمبدأ عام: كل من ثبت تورطه في مخالفة انتخابية أو جريمة يعاقب عليها القانون، سيكون مطالباً بتحمل مسؤوليته أمام الجهات المختصة.
فالمال، مهما كان حجمه، لا يمنح صاحبه حصانة. والنفوذ، مهما كانت قوته، لا يصنع حقاً خارج القانون.
والعلاقات، مهما اتسعت، لا ينبغي أن تكون جسراً للعبور فوق قواعد المنافسة الانتخابية.
المرشحون تحت المجهر.. والناخب ليس للبيع الترشح للبرلمان مسؤولية قبل أن يكون امتيازاً سياسياً.
ومن يطلب ثقة المواطنين عليه أن يقدم لهم مشروعاً وبرنامجاً وحلولاً، لا أن يبحث عن أقصر الطرق إلى أصواتهم.
فالناخب الذي يعاني من البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية والسكن، لا يحتاج إلى من يشتري صمته ليوم واحد، وإنما يحتاج إلى منتخب يدافع عن حقوقه لسنوات.
ولهذا، فإن كل محاولة للتأثير غير المشروع على إرادة الناخبين، أو استغلال حاجتهم، أو تقديم منافع مقابل التصويت، أو ممارسة الضغط أو التهديد أو استعمال النفوذ، ينبغي أن تكون تحت أعين أجهزة إنفاذ القانون، وفق الضوابط والمساطر القانونية المعمول بها.
لا حصانة انتخابية أمام القانون
الأهم في هذه المرحلة أن يفهم المرشحون قاعدة بسيطة:
الترشح لا يمنح الحصانة، والمال لا يمنح الحصانة، والانتماء السياسي لا يمنح الحصانة.
الجميع أمام القانون سواء. وهذه ليست معركة بين السلطة والمرشحين، ولا مواجهة مع الأحزاب، وإنما هي معركة من أجل حماية حق المواطن في أن يختار بحرية، بعيداً عن الإغراء والضغط والابتزاز واستعمال الحاجة الاجتماعية كسلاح انتخابي.
وفي المقابل، فإن احترام قرينة البراءة يظل قاعدة أساسية، ولا يجوز تحويل المنافسة السياسية إلى منصة لتوزيع الاتهامات أو تصفية الحسابات، إذ إن إثبات أي مخالفة أو جريمة يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة ووفق المساطر القانونية.
سيدي بنور تقول: هذه الانتخابات مختلفة
الرسالة القادمة من المحكمة الابتدائية بسيدي بنور تبدو واضحة:
من أراد خوض السباق الانتخابي، فليدخل من بوابة القانون.
ومن كان يعتقد أن الانتخابات يمكن أن تدار بالمال والنفوذ والوعود، فعليه أن يعيد حساباته.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى يقظة مؤسساتية حقيقية، وتنسيق محكم بين النيابة العامة والأمن الوطني والدرك الملكي والشرطة القضائية، حتى تمر الاستحقاقات في أجواء تحترم القانون وتضمن سلامة الاختيار الديمقراطي. وسيدي بنور، التي تعرف جيداً معنى المنافسة الانتخابية، لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات.
ـ تحتاج إلى انتخابات نظيفة.
ـ تحتاج إلى مرشحين يتنافسون بالبرامج والكفاءة.
ـ وتحتاج إلى ناخب لا يخضع للضغط ولا يباع صوته في سوق الانتخابات.
وفي قلب هذه المعادلة، يقف القضاء باعتباره الضامن لتطبيق القانون، بينما يبعث الأستاذ محمد وداع، من موقعه كوكيل للملك، برسالة لا تحتاج إلى كثير من التأويل: القانون فوق الجميع، وصندوق الاقتراع ليس ملكاً للمرشحين… وإنما هو أمانة في يد المواطن.
هذه المرة، يبدو أن الطريق إلى البرلمان لن يكون مفروشاً بالوعود وحدها، وأن كل من يفكر في تحويل الانتخابات إلى موسم للمال والنفوذ سيكون مطالباً بأن يتذكر جيداً أن للدولة مؤسسات، وللانتخابات قانوناً، وللقانون رجالاً يسهرون على تطبيقه.
