بقلم : ابو ياسين
«يا شاري خد ما يحلالك… كل شي يتباع في سوق البشرية».
هكذا يبدو المشهد عندما تتراجع السياسة وتتقدم المصالح، وعندما يصبح المواطن مجرد رقم يُستدعى يوم الاقتراع ثم يُعاد إلى مقاعد الانتظار أربع أو خمس سنوات.
في كل موسم انتخابي، تعود الوجوه نفسها، والأسماء نفسها، والشعارات نفسها… لكن الجديد هذه المرة أن بعض اللوائح بدأت تمنح المواطن صورة أكثر وضوحاً عن طبيعة اللعبة: وكيل لائحة، وبجانبه ابن أو ابنة أو زوجة أو أخ أو قريب أو شخص تربطه به علاقة خاصة.
قانونياً، قد لا يكون ترشح الأقارب في اللائحة ممنوعاً متى استوفوا الشروط القانونية. لكن السؤال ليس دائماً: هل القانون يسمح؟
السؤال الأخطر هو: هل هذا مقبول سياسياً وأخلاقياً أمام مواطن يبحث عن الكفاءة وتكافؤ الفرص؟
هنا بالضبط يجب أن نتوقف. لأن الديمقراطية لا تُختزل في البحث عن ثغرة قانونية تسمح بفعل شيء ما. الديمقراطية أيضاً أخلاق سياسية، وثقة، وتكافؤ فرص، واحترام لعقول الناخبين.
أما أن تتحول بعض الأحزاب إلى دوائر مغلقة، وأن يصبح الوصول إلى البرلمان مرتبطاً بالاسم العائلي والنفوذ والمال والشبكات، فهذه ليست ديمقراطية يتطلع إليها المواطن؛ إنها وصفة جاهزة لإنتاج العزوف والغضب وفقدان الثقة.
«مادامت القيم انهارت، والنفس الحرة أُهينت، والناس عبيد أموالك».
هذه ليست مجرد عبارة قاسية؛ إنها صرخة في وجه واقع سياسي يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
المغربي لا يريد برلماناً يُنظر إليه وكأنه ملكية خاصة، ولا أحزاباً تُدار بعقلية «أنا ومن بعدي عائلتي»، ولا لوائح انتخابية تتحول إلى شجرة أنساب.
البرلمان مؤسسة للشعب، وليس إرثاً يُسلَّم من يد إلى يد.
والحزب السياسي ليس شركة عائلية، والانتخابات ليست مزاداً، وصوت المواطن ليس سلعة تُشترى بالمال أو تُستدرج بالوعود أو تُستعمل لتجديد مواقع النفوذ.
لقد أصبح المواطن أكثر وعياً مما يعتقد بعض السياسيين. يعرف من يتحدث باسمه، ويراقب من يكرر الظهور، ويسأل عن مصادر الثروة، وعن المشاريع والوعود، وعن الحصيلة، وعن سبب بقاء بعض الأسماء في المشهد السياسي لعقود بينما تُغلق الأبواب أمام وجوه جديدة وكفاءات شابة.
ولذلك، لا ينبغي أن يفاجأ أحد عندما يتحول الغضب الصامت إلى احتجاج في الشارع.
حين تُغلق صناديق السياسة أبوابها أمام المواطن، سيفتح المواطن أبواب الاحتجاج.
وهنا تقع مسؤولية الأحزاب قبل الدولة، ومسؤولية النخب السياسية قبل الناخب.
فالمطلوب ليس فقط احترام القانون، بل احترام روح الديمقراطية.
نريد لوائح تقوم على الكفاءة لا القرابة، وعلى البرنامج لا الاسم، وعلى النزاهة السياسية لا النفوذ، وعلى القدرة على تمثيل المواطنين لا القدرة على حشد العائلة والأتباع.
أما أن تستمر السياسة في إنتاج الوجوه نفسها، وتدوير النفوذ نفسه، ثم نطلب من المواطن أن يثق في الانتخابات، فذلك أشبه بمن يطلب من العطشان أن يصدق أن السراب ماء.
لقد تعب المغاربة من أن يكونوا جمهوراً في مسرحية سياسية لا يملكون تغيير أبطالها إلا مرة واحدة كل خمس سنوات.
واليوم، السؤال ليس: من سيترشح؟
السؤال الحقيقي هو:
ـ من سيجرؤ على كسر احتكار الوجوه والمقاعد والنفوذ؟
ـ ومن سيقول بصوت مرتفع إن البرلمان ليس ضيعة عائلية، وإن الوطن ليس شركة خاصة، وإن المواطن المغربي ليس ضيفاً في وطنه؟
إن كانت الانتخابات موعداً لتجديد الثقة، فلتكن أول خطوة هي احترام عقل الناخب.
وإن كانت الديمقراطية تعني شيئاً، فعليها أن تثبت أن المقعد البرلماني يُنتزع بالاستحقاق… لا يُورّث بالنفوذ.
"رحمة الله الفان عبد الوهاب الدكالي"
