adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/09/05 - 2:58 م



بقلم : ابو ياسين
كل خمس سنوات تقريباً، يفتح المشهد السياسي أبوابه لوجوه جديدة، تُقدَّم للشعب باعتبارها الأمل القادم، والبديل المنتظر، والحل لمشاكل تراكمت حتى أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمواطن. وجوه تتغير، شعارات تتبدل، وخطابات تُعاد صياغتها بعناية… لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تغيّر الواقع فعلاً، أم أننا أمام إعادة إنتاج للمشهد نفسه بوجوه مختلفة؟
المؤلم أن بعض الوجوه السياسية التي تستعد لمغادرة المشهد لا تغادر وحدها؛ فهي تترك وراءها حصيلة من الوعود المؤجلة، والملفات العالقة، والمشاريع التي لم ترَ النور، وأرقاماً لا تعكس بالضرورة حجم المعاناة التي يعيشها المواطن.
وعندما تقترب ساعة الانتخابات، تبدأ عملية «تدوير الوجوه». يظهر سياسيون جدد، تُفتح أمامهم المنابر، وتُرفع الشعارات، وتُقدَّم الوعود كما لو أن ذاكرة المواطن قصيرة، وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن موجودة.
وهنا يحضر المثل الشعبي القاسي: «عبّو والريح».
فالقول الشعبي لا يقصد شخصاً بعينه، وإنما يصف حالة يصبح فيها انتظار النتيجة من بعض الأشخاص شبيهاً بمحاولة الإمساك بالريح؛ لا شيء يُقبض عليه، ولا شيء يبقى في اليد. كلام كثير، وانتظار طويل، وحصيلة قد لا تساوي شيئاً.
المشكلة ليست في تغيير الوجوه، فالديمقراطية بطبيعتها تقوم على التداول والمحاسبة وتجديد النخب. المشكلة تبدأ عندما يصبح تغيير الوجوه مجرد وسيلة لتغطية ما اقترفته الوجوه التي سبقتها، أو عندما يتحول المواطن إلى مجرد رقم انتخابي يُستدعى عند الحاجة، ثم يُعاد إلى الهامش بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
الشعب لا يريد خطابات جديدة بقدر ما يريد نتائج ملموسة. يريد مدرسة تحفظ كرامة أبنائه، ومستشفى يحترم مرضاه، وفرص عمل تمنح الشباب أملاً، وأسعاراً لا تحوّل الحياة اليومية إلى معركة، وإدارة تنصف المواطن بدل أن ترهقه، وسياسة تجعل المسؤول خادماً للصالح العام لا صاحب امتيازات.
أما أن يأتي كل موسم انتخابي بوجوه جديدة تحمل قاموساً جديداً من الوعود، ثم يكتشف المواطن بعد سنوات أنه عاد إلى نقطة الصفر، فهنا يصبح السؤال مشروعاً: من يحاسب؟ ومن يدفع الثمن؟
الثمن، في النهاية، يدفعه المواطن.
والمفارقة أن المواطن الذي يُطلب منه أن يمنح صوته، وأن يثق، وأن ينتظر، لا يُمنح دائماً حق السؤال بنفس القوة: أين ذهبت الوعود؟ لماذا تأخرت المشاريع؟ من يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ ولماذا تختفي بعض الوجوه بعد انتهاء الولاية لتظهر وجوه أخرى تحمل الوعود نفسها؟
لقد آن الأوان أن يتوقف السياسي عن التعامل مع المواطن باعتباره ذاكرة انتخابية قصيرة.
فالانتخابات ليست موسماً لتجميل الصورة، وليست مسرحاً لتبادل الأدوار بين وجوه راحلة ووجوه صاعدة. إنها لحظة حساب، ومسؤولية، واختيار، ومحاسبة.
وإذا كان بعض السياسيين قد اعتادوا أن يتركوا وراءهم «الريح»، فإن المواطن مطالب هذه المرة بأن يبحث عن العمل لا الكلام، وعن الحصيلة لا الشعارات، وعن المسؤول الذي يمكن محاسبته لا الوجه الذي يظهر فقط عندما يحتاج إلى صوت الشعب.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن تتغير الوجوه…
بل أن تتغير الوجوه ويبقى الفشل نفسه.
وحينها، يصبح «عبّو والريح» ليس مجرد مثل شعبي، بل عنواناً مؤلماً لمرحلة سياسية كاملة.
Next
This is the most recent post.
Previous
رسالة أقدم