بقلم: د. عبد العالي هباج.
رئيس اللجنة المركزية الدولية للمرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان
ليست كل المنعطفات الكبرى صاخبة. بعضها يمرّ عبر تصويت في قاعة باردة بنيويورك، ثم يتبيّن أثره لاحقاً. هذا ما جرى في الثلاثين من أكتوبر 2026، حين أخفق مجلس الأمن في تمديد ولاية المينورسو. ففي يوم واحد انتهى عمل آلية رافقت النزاع خمسةً وثلاثين عاماً، وظهر أن أغلبية واسعة داخل المجلس صارت تتبنى مقاربة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
غير أن قراءة الحدث بمنطق الاحتفال وحده تضيّع جوهره. فما انتهى هو آلية وطقس سنوي من المراجعة والتجديد، أما المعركة على المعنى فلم تنته. فقد جعل القرار 2797 في أكتوبر 2025 مبادرة الحكم الذاتي أساساً للتفاوض. ثم جاء المشروع الأمريكي في أكتوبر 2026 ليجعلها الأساس الوحيد، فحصل على أحد عشر صوتاً قبل أن يسقطه الفيتو الروسي. وفي المقابل، ما زال الإقليم مدرجاً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وما زال مجلس الأمن مختصاً بالملف. فالقضية خرجت من مرحلة التدبير الدوري، لكنها لم تخرج من دائرة الجدل الدولي. وهذه المسافة بين المكسب السياسي والحسم القانوني هي مجال عمل الدبلوماسية الموازية.
أول ما تفرضه المرحلة هو تغيير الوظيفة. فقد اعتادت أشكال كثيرة من الدبلوماسية الموازية أن تؤدي دور الصدى: تعيد الموقف الرسمي بصوت أعلى، وتخاطب في الغالب من هو مقتنع أصلاً. والمطلوب الآن هو قدرة على الإقناع في بيئات غير مضمونة، بلغة يفهمها المخاطَب ومن داخل منطقه. البرلماني الأوروبي يتأثر بالحجة القانونية والمعطى التنموي، والأكاديمي يتأثر بالبحث المحكَّم، والحقوقي في جنيف تقنعه آليات وطنية ذات مصداقية، لا نفي التقارير.
وتقع على البرلمانات المسؤولية الأولى. فالجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان والتزام مكوناته بمواصلة الدبلوماسية البرلمانية خطوتان مهمتان، لكنهما تحتاجان إلى خطة عمل. وأول عناصر هذه الخطة إشراك منتخبي الأقاليم الجنوبية في الوفود والمنتديات الدولية. فحين يتحدث المنتخب الصحراوي باسم من انتخبوه، يصبح الحكم الذاتي ممارسة يمكن معاينتها، لا مجرد مقترح نظري.
والساحة الثانية هي حقوق الإنسان، وهي الأدق. فرحيل البعثة سيدفع الخصوم إلى نقل المعركة إلى جنيف وآلياتها الأممية. والرد على ذلك لا يكون بالإنكار، بل بمصداقية مؤسساتية: لجان جهوية فاعلة لحقوق الإنسان، وجمعيات مستقلة ترصد وتوثق بمنهجية معروفة، حتى في ما يزعج. فالمنظمة التي تنتقد عند الحاجة هي التي يُصدَّق كلامها حين تشهد بالتقدم. ويتصل بذلك ملف محتجزي تندوف، من الإحصاء ولمّ شمل الأسر إلى العودة الكريمة. وهي قضايا ينبغي حملها بلغة إنسانية خالصة، لأن الكرامة هي اللغة الأكثر قبولاً في المحافل الدولية.
والساحة الثالثة هي المعرفة. فالجامعة المغربية ومراكز التفكير مطالبة بإنتاج معرفة رصينة تُنشر بلغات العالم، وتتناول التاريخ والأرشيف والتجارب المقارنة للحكم الذاتي في الديمقراطيات الحديثة. كما أنها مطالبة بفتح حوارات جادة مع نظيراتها في العواصم التي امتنعت عن التصويت. أما الساحة الرابعة فهي الاقتصاد. فميناء الداخلة الأطلسي وكلية الطب بالعيون ومحطات التحلية معطيات يمكن التحقق منها. وحين تتحول إلى شراكات عبر غرف التجارة والتعاون بين الجهات، تصبح للمستثمر الأجنبي مصلحة مباشرة في استقرار المنطقة، والمصلحة المشتركة تجعل الاعتراف السياسي أمتن وأدوم.
والساحة الخامسة هي الإعلام، وفيه قد يتحول الحماس إلى عبء. فالخطاب الانتصاري ولغة التخوين قد ترضي الجمهور الداخلي، لكنها تقدم للخصم مادة جاهزة. والمطلوب صحافة تشرح ولا تكتفي بالتهليل، وتخاطب كل رأي عام بلغته ومراجعه.
ويحكم هذه الساحات كلها شرط التنسيق. فالدبلوماسية الموازية ليست عملاً فردياً يتجاوز الدولة، ولا ملحقاً بها بلا رأي. قوتها في استقلالها النسبي، بشرط أن يندرج هذا الاستقلال في رؤية وطنية واضحة الأولويات. وقد أعلنت الدبلوماسية الرسمية نقل جهدها إلى الجمعية العامة واللجنة الرابعة، وهو ما يحدد للفاعل الموازي ساحاته.
ولعل أعمق ما في اللحظة أنها تنقل عبء المبادرة. فطوال خمسة وثلاثين عاماً دافع المغرب عن موقفه في أجندة يحددها غيره، أما اليوم فأمامه فرصة لصياغتها بنفسه. ومن يطرح النموذج يتحمل مسؤولية إثبات جدارته، والحكم الذاتي ستقاس قيمته بقدرته على أن يكون ديمقراطياً ومنصفاً وقريباً من الناس قبل الإقناع به في الخارج. إن طيّ صفحة المينورسو نهاية مرحلة، لكنه لا يحسم القضية. وما يحدد مآلها هو قدرة المجتمع بكامل مكوناته على أن ينتقل من استقبال المكسب إلى المساهمة في ترسيخه، ومن ترديد صدى الموقف الرسمي إلى صناعة صوت مستقل ومسؤول ومقنع.

