adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/11/04 - 12:53 م

 


بقلم: أبو ياسين
«انتهى حلم إسرائيل!».. عبارة ثقيلة الدلالة، لا تأتي هذه المرة من خطاب فلسطيني أو عربي، ولا من بيان صادر عن فصيل من فصائل المقاومة، بل تُنسب إلى افتتاحية صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في طرح يسلط الضوء على مأزق عميق يعيشه المجتمع الإسرائيلي أمام صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وهويته وحقوقه التاريخية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس قوة الصواريخ وحدها، ولا حجم الترسانة العسكرية، ولا عدد الطائرات والدبابات، بل انهيار الرواية التي بنت عليها مشروعها، وسقوط الاعتقاد بأن شعباً يمكن اقتلاعه من أرضه، أو إخضاعه بالحصار والتجويع والاعتقال والتدمير.
لقد راهنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على أن مرور الزمن كفيل بمحو الذاكرة الفلسطينية، وأن الحروب المتتالية ستُضعف إرادة الأجيال، وأن سياسة الأمر الواقع ستجعل الفلسطيني يتخلى عن وطنه وحقوقه. لكن الوقائع أثبتت أن الهوية لا تُمحى بالقنابل، وأن الانتماء لا يُنتزع بالجرافات، وأن الشعوب التي تحمل ذاكرتها وأرضها في وجدانها لا تتحول إلى أرقام في سجلات التهجير.
واللافت في النص المنسوب إلى افتتاحية «هآرتس» أنه يتحدث عن الخسائر الاقتصادية والعسكرية، وعن ارتباك الحسابات الإسرائيلية، وعن انهيار صورة الجيش الذي جرى تسويقه طويلاً باعتباره قوة لا تُقهر. وهي مؤشرات تفتح نقاشاً جدياً حول كلفة الحروب التي لا تنتج أمناً دائماً، وحول عبثية الاعتقاد بأن التفوق العسكري يمنح صاحبه الحق في تقرير مصير الآخرين.
إسرائيل تستطيع تدمير المباني، لكنها لا تستطيع قصف الذاكرة الفلسطينية....لقد كشفت الأحداث أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف حدود أو خلاف سياسي عابر، بل قضية شعب يطالب بحقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير. كما كشفت أن استمرار الاحتلال والحصار والاستيطان لا يمكن أن يصنع سلاماً، وأن الأمن الحقيقي لا يولد من تحت أنقاض المنازل، ولا من دموع الأطفال، ولا من معاناة المدنيين.
ومن المؤلم أن يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر لهذه المواجهات، في ظل الدمار الواسع والخسائر البشرية والنزوح وانهيار مقومات الحياة. إن الدفاع عن الحقوق المشروعة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستهداف الأبرياء، كما أن إدانة الانتهاكات لا يمكن أن تكون انتقائية؛ فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين دون تمييز، ويمنع العقاب الجماعي واستهداف السكان والمنشآت المدنية.
أما الحديث عن الدولة الفلسطينية، فلم يعد ترفاً سياسياً أو شعاراً دبلوماسياً للاستهلاك الإعلامي، بل أصبح ضرورة لإنهاء دوامة الصراع. فلا يمكن بناء مستقبل مستقر في المنطقة على إنكار وجود شعب، ولا يمكن فرض سلام حقيقي بالقوة العسكرية أو بسياسة الإذلال والإقصاء.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى صناع القرار في تل أبيب هي أن استمرار الاحتلال ليس ضمانة للبقاء، وأن القوة مهما بلغت لا تمنح الشرعية، وأن الشعوب لا تفقد حقوقها بمجرد أن تتعرض للهزيمة العسكرية أو الحصار الاقتصادي.
لقد انتهى زمن الاعتقاد بأن الفلسطيني سيغادر أرضه بمجرد أن تُفتح أمامه أبواب التهجير، وانتهى زمن التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية قابلة للنسيان.
لكن قبل اعتماد النص المنسوب إلى «هآرتس» باعتباره افتتاحية موثقة، تظل ضرورة التحقق من تاريخه ورابطه الأصلي قائمة، خصوصاً أن بعض العبارات والأرقام الواردة فيه تحتاج إلى تدقيق مستقل.
وفي المحصلة، قد تختلف القراءات السياسية والعسكرية، لكن حقيقة واحدة لا يمكن القفز عليها: لا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا حقوق، ولا مستقبل للمنطقة ما دام شعب بأكمله يُطلب منه أن يتنازل عن وطنه حتى يشعر الآخرون بالأمن.
فلسطين ليست حلماً عابراً في ذاكرة شعبها، بل قضية حقوق وكرامة ووجود، والتاريخ لا يكتبه الأقوى سلاحاً وحده، بل تصنعه أيضاً إرادة الشعوب وتمسكها بحقوقها.