adsense

/www.alqalamlhor.com

2026/11/04 - 12:58 م



بقلم: أبو ياسين
تثير قضية اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب والأستاذ الجامعي بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، نقاشاً حقوقياً ومؤسساتياً يتجاوز حدود ملف قضائي معروض أمام المحاكم، ليمتد إلى أسئلة جوهرية تتعلق بحرية التعبير، وحماية الكفاءات، وحق المواطنين والمهنيين في التبليغ عن الاختلالات المفترضة داخل المرافق العمومية.
إن اعتقال أستاذ جامعي وطبيب متخصص في التخدير والإنعاش، بعد صدور حكم ابتدائي في حقه، ثم رفض طلب السراح المؤقت خلال المرحلة الاستئنافية، يضعنا أمام ضرورة فتح نقاش مسؤول حول التوازن بين تطبيق القانون وصيانة الحقوق الدستورية، دون المساس باستقلال السلطة القضائية أو التأثير على مجريات المحاكمة.
لسنا أمام دعوة إلى تعطيل القانون، ولا إلى منح أي شخص حصانة خارج المساءلة، وإنما أمام مطالبة واضحة بأن يكون القانون مظلة لحماية الجميع، وألا يتحول الخلاف حول تدبير المؤسسات العمومية إلى سبب لإسكات الأصوات التي تثير تساؤلات حول الحكامة والشفافية.
وتزداد أهمية هذه القضية بالنظر إلى ما أثير بشأن شكايات سبق للبروفيسور شرقاب أن تقدم بها حول اختلالات وتجاوزات مفترضة في تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد. وهي ادعاءات تستوجب التحقيق الجدي والمستقل، والتأكد من صحتها أو عدم صحتها، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو تصفية الحسابات.
وفي هذا السياق، جاء موقف الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبرانسي المغرب»، التي أعلنت تضامنها مع البروفيسور شرقاب، مطالبة بتمتيعه بالمتابعة في حالة سراح إلى حين صدور حكم نهائي، وفتح تحقيق مستقل ونزيه في الشكايات المرتبطة بتدبير المؤسسة الاستشفائية.
إن هذا الموقف الحقوقي يعيد طرح سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن تشجيع الموظفين والأطر والكفاءات على التبليغ عن الفساد والاختلالات، إذا أصبح المبلغون يجدون أنفسهم أمام مسارات قضائية معقدة دون ضمانات كافية تحميهم من أي استعمال تعسفي للمساطر؟
ومن جهة أخرى، فإن احترام حقوق الأشخاص الذين تقدموا بشكايات في مواجهة البروفيسور شرقاب يظل واجباً قانونياً وأخلاقياً، فكرامة الأشخاص وسمعتهم المهنية وحقهم في الانتصاف لا تقل أهمية عن حق أي مواطن في التعبير والتبليغ.
إننا نؤكد أن قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع ليست امتيازات تمنح للأشخاص بحسب مواقعهم أو مناصبهم، بل حقوق دستورية وقانونية يجب أن يتمتع بها كل متقاضٍ.
كما أن الصحافة المستقلة ليست محكمة بديلة، ولا جهازاً لإصدار الأحكام، وإنما هي سلطة مجتمعية رقابية، مهمتها نقل الوقائع، وكشف الاختلالات، وطرح الأسئلة التي قد لا تجد طريقها إلى المؤسسات، مع احترام حق جميع الأطراف في الرد والتوضيح.
إن المطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات، وإنما كشف الحقيقة كاملة...نطالب بالتعامل مع هذا الملف بمنتهى الجدية والمسؤولية، وتمكين البروفيسور رشيد شرقاب من جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وإعادة النظر في طلب السراح المؤقت وفق المعايير القانونية والضمانات المتوفرة، وفتح تحقيق مستقل في الشكايات التي سبق أن أثارها بشأن تدبير المستشفى الجامعي ابن رشد.
فالمؤسسات الصحية والجامعية تحتاج إلى الشفافية والمحاسبة، كما تحتاج إلى حماية الأطر والكفاءات من كل أشكال التضييق، إذا ثبت وجودها، وإلى ترسيخ ثقافة الاختلاف المسؤول بدل تحويل الخلافات المهنية إلى معارك شخصية أو مؤسساتية.
إن قضية البروفيسور شرقاب ليست مناسبة لإصدار أحكام مسبقة، بل فرصة لاختبار مدى قدرتنا على حماية الحق في التبليغ، وضمان استقلال القضاء، وصيانة كرامة الإنسان.
فالعدالة التي نريدها هي عدالة لا تخشى الحقيقة، ولا تتسامح مع الفساد إن ثبت، ولا تسمح في المقابل بانتهاك الحقوق والحريات.
الحقيقة أولاً.. والعدالة للجميع.. والشفافية فوق كل اعتبار.