قراءة في نهاية ولاية المينورسو بمنطق نظرية الألعاب عند جون فون نيومان
بقلم: د. عبد العالي هباج
رئيس اللجنة المركزية الدولية للمرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان
في مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، خرج مجلس الأمن من قاعته دون قرار. سقط المشروع الأمريكي بفيتو روسي رغم حصوله على أحد عشر صوتاً، وسقط المشروع الروسي المضاد لأنه لم يجمع سوى ثلاثة أصوات مقابل اعتراض أمريكي وإحدى عشرة حالة امتناع. وفي منتصف ليل اليوم التالي انتهت ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المينورسو، التي رافقت الملف منذ 1991. المفارقة أن الفيتو الذي رُفع باسم حماية مسار التسوية الأممي هو نفسه الذي أنهى أداته الميدانية الأولى، وأن القرار الذي لم يُعتمد أنتج أثراً سياسياً أعمق مما كان سيحدثه اعتماده.
هذه المفارقة لا تفسرها لغة البلاغات وحدها. تفسرها، على نحو أدق، الأداة التي وضعها عالم الرياضيات المجري الأمريكي جون فون نيومان حين أثبت سنة 1928 مبرهنة «الحد الأدنى من الحد الأقصى»، ثم حين أصدر مع الاقتصادي أوسكار مورغنشترن سنة 1944 كتاب «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي». الفكرة المؤسسة بسيطة في ظاهرها: كل لاعب عقلاني لا يختار الخطوة التي تمنحه أفضل ربح ممكن، بل الخطوة التي تقلل أقصى خسارة يمكن أن يتكبدها، لأن خصمه سيختار بدوره ما يضره. ومن ثم فإن قراءة أي مواجهة تبدأ من مصفوفة النتائج: ماذا يحدث لكل طرف إذا اختار هذا البديل أو ذاك؟
لنضع جلسة 30 أكتوبر في مصفوفة من هذا النوع. أمام موسكو خياران: أن تمتنع فيمر النص الأمريكي، أو أن تستعمل الفيتو. إن امتنعت، استمرت البعثة سنة أخرى لكن باسم جديد هو «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، بعد حذف حرف الراء الدال على الاستفتاء، ومع تثبيت مقترح الحكم الذاتي أساساً وحيداً للتفاوض وإعادة هيكلة المكون العسكري للبعثة. وإن استعملت الفيتو، فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لأن النقطة التي يرتد إليها النظام عند غياب القرار ليست الوضع القائم، بل انتهاء الولاية. هنا يكمن جوهر المسألة: ولايات البعثات الأممية مؤقتة بطبيعتها، ولا تستمر إلا بفعل إيجابي يتجدد. ومعنى ذلك أن الفيتو، وهو أقوى أداة لمنع التغيير حين يكون الجمود هو الحالة الافتراضية، يفقد هذه القدرة حين تكون الحالة الافتراضية نفسها تغييراً.
بلغة فون نيومان، صمم صاحب القلم مصفوفة لا تحتوي على خانة تخدم الطرف الآخر. إذا مر النص سقطت الإحالة الرمزية إلى الاستفتاء، وإذا سقط النص سقطت البعثة كلها. وقد كان المندوب الروسي واضحاً حين وصف تصويته بأنه «فيتو منقذ للحياة»، معتبراً أن حذف حرف واحد من اسم البعثة خيانة لمصالح سكان مخيمات تندوف، كما ورد في المحضر الصحفي للأمم المتحدة. غير أن حساب الحد الأدنى من الحد الأقصى يطرح سؤالاً محرجاً: أي الخسارتين كانت أشد على المعسكر الذي ادعت موسكو الدفاع عنه؟ بعثة قائمة بلا حرف الراء، تظل فيها الأمم المتحدة حاضرة على الأرض وفي مجلس الأمن، أم فراغ مؤسسي كامل؟ اللافت أن الصين، وهي أقرب الشركاء إلى الموقف الروسي، اختارت الامتناع عن النص الأمريكي، أي اختارت الخطوة التي تحد من أسوأ الاحتمالات.
لماذا إذن ذهبت موسكو إلى الخيار الذي تقول المصفوفة إنه الأسوأ لحلفائها؟ تقدم النظرية ثلاثة احتمالات، ولا يملك المراقب من الخارج ما يكفي من المعطيات للحسم بينها. الاحتمال الأول خطأ في تقدير صدقية الخصم: ربما افترضت موسكو أن واشنطن لن تقبل بموت البعثة، وأنها ستتراجع في اللحظة الأخيرة إلى تمديد تقني. لكن النتائج أظهرت أن الكتلة المؤيدة للنص الأمريكي لم تنقذ المشروع الروسي، بل امتنعت عنه جماعياً، فسقط لنقص الأصوات قبل أن يكون للاعتراض الأمريكي أي أثر حاسم. الاحتمال الثاني أن موسكو لم تكن تلعب لعبة الصحراء أصلاً، بل لعبة أكبر مع واشنطن، تكون فيها الصحراء خانة صغيرة في مصفوفة أوسع: تثبيت مبدأ رفض الحلول التي تراها أحادية، والحفاظ على صورة الحليف الوفي للجزائر. والاحتمال الثالث أن قيمة الرمز، أي حرف الراء، كانت في حساب بعض الأطراف أثقل من قيمة الحضور الأممي نفسه، وهو حساب يحتمل التبرير سياسياً، لكنه يصعب الدفاع عنه بمنطق تقليل الخسائر.
وقد جاء البيان الجزائري، الصادر يوم 31 أكتوبر، ليعيد كتابة النتيجة بأثر رجعي: فالانحياز المفرط للمشروع الأمريكي، بحسب وزارة الخارجية الجزائرية، جعل هذه النهاية «أمراً لا مفر منه». هذه صياغة تحول خياراً إلى قدر، لكنها تعترف ضمناً بأن الطرفين المعترضين لم يكونا يملكان خانة مريحة في المصفوفة. أما ممثل البوليساريو، فشكر روسيا على الفيتو، وكانت الجبهة قد لوحت قبل التصويت بالانسحاب من المسار السياسي إذا اعتمد النص دون تعديلات جوهرية. وفي المحصلة، لم يُعتمد النص، ولم يبق المسار على حاله أيضاً.
ثمة درس ثانٍ في كتاب فون نيومان ومورغنشترن يتجاوز الألعاب الثنائية: في الألعاب متعددة اللاعبين لا يُحسم الأمر بقوة اللاعب المنفرد، بل بقدرة التحالفات على التماسك. الفيتو يمنح دولة واحدة سلطة المنع، لكنه لا يمنحها سلطة الإنشاء. لكي يمر أي نص يحتاج إلى تسعة أصوات على الأقل، وهذا ما لم يتوفر للمشروع الروسي. لقد كان التحالف الذي التف حول النص الأمريكي، بأحد عشر صوتاً، أكثر حسماً من الفيتو الذي أسقطه، لأن تماسكه في التصويت الثاني هو الذي أغلق باب العودة إلى التمديد التقني. بعبارة أخرى، لم يُحسم الأمر بفيتو واحد، بل بتقاطع فيتو روسي يمنع التغيير مع أغلبية ترفض تأجيله.
ثم جاءت الخطوة المغربية التي تشبه ما يسميه منظرو الألعاب بالالتزام الذي يغير قواعد الجولة التالية. فقد اعتبر بلاغ الديوان الملكي عدم التمديد «خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي» للملف داخل أروقة الأمم المتحدة، ودعا إلى إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة، وإلى سحب القضية من جدول أعمال المجلس، مع التأكيد على الالتزام بوقف إطلاق النار، وفق ما نقله موقع الدار. وأكد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة أن انتهاء الولاية سيغير طريقة تعاطي المجلس مع الملف، خاصة على مستوى الاجتماعات الدورية وتقارير الأمين العام. بهذا تحول فراغ إجرائي إلى موقف سياسي مُعلن، وانتقل المغرب من موقع من ينتظر قرار المجلس إلى موقع من يحدد ما يترتب على غيابه.
غير أن قراءة رصينة تقتضي الفصل بين النتيجة السياسية والوضع القانوني. فعدم التمديد لا يعادل قراراً من مجلس الأمن بحل البعثة أو بتسوية النزاع، وشطب البند من جدول أعمال المجلس إجراء له قواعده ولا يترتب آلياً على انتهاء ولاية بعثة، كما يظل الإقليم مدرجاً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى الجمعية العامة. والأدق إذن أن نقول إن الفيتو أنهى أداة تسوية قامت على خيار الاستفتاء، ولم ينه النزاع في صيغته القانونية الأممية. وهذا التمييز ليس ترفاً شكلياً، لأن الجولة المقبلة ستُخاض بالضبط في هذه المسافة بين ما تحقق سياسياً وما لم يُحسم قانونياً.
تبقى الفرضية الأعمق في نظرية فون نيومان هي فرضية المجموع الصفري، أي أن ربح طرف يساوي خسارة الآخر تماماً. لقد عاش نزاع الصحراء عقوداً داخل هذه الفرضية: استفتاء يخير بين الاستقلال والاندماج، رابح يأخذ كل شيء وخاسر يفقد كل شيء. وكان مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 في جوهره محاولة للخروج من هذا المنطق نحو لعبة يمكن أن يربح فيها أكثر من طرف. لكن المفارقة أن هذه الفكرة غير الصفرية لم تنتصر في المجلس إلا عبر جولة صفرية خالصة بين واشنطن وموسكو. ولذلك فإن السؤال الحقيقي بعد 31 أكتوبر ليس من ربح الجولة، بل هل يستطيع الرابح تحويل لعبة الحسم إلى لعبة تعاون.
هنا يتقدم البعد الحقوقي إلى الواجهة. فالمسودات الأمريكية المتداولة تضمنت دعوة إلى تسجيل ساكنة مخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وهو مطلب إنساني قديم يتعلق بحق الأفراد في الوجود القانوني وفي الاختيار الحر، وقد سقط مع سقوط النص. ونبهت فرنسا خلال الجلسة إلى أن الإغلاق المفاجئ للبعثة سيكون مقلقاً في سياق عودة التوترات، فيما حذرت منظمة أوكسفام من أثر غياب وظائف خفض التصعيد على أمن المدنيين واللاجئين. إن إنهاء المراقبة الأممية لوقف إطلاق النار يضع على عاتق الأطراف مسؤولية مضاعفة، ويجعل ضمان السلامة الجسدية للسكان وحرية التنقل والعودة الطوعية معياراً عملياً لقياس جدية أي حل.
ما تعلمه نظرية الألعاب في هذه الحالة يتجاوز ملف الصحراء: من يحدد النقطة التي يرتد إليها النظام عند الفشل يملك نصف اللعبة قبل أن تبدأ. أدرك صاحب القلم أن الفراغ في هذه الحالة يخدم التغيير، فصاغ نصاً يربح به إن مر ويربح به إن سقط. ولم تدرك موسكو، أو لم تكترث، أن الفيتو الذي يحمي الجمود في ملفات أخرى يُسرع التحول هنا. أما المغرب فقد ربح الجولة الأممية، لكنه دخل لعبة جديدة بلا حكم دولي في الميدان، لعبة لا يكفي فيها الاعتراف الدبلوماسي، بل يتطلب الأمر إقناع من بقوا خارج المعادلة بأن الحكم الذاتي ليس خسارة لهم. وبمنطق فون نيومان نفسه، فإن أكثر الحلول استقراراً هو الحل الذي لا يجد فيه أي طرف مصلحة في تغيير موقعه.
