بقلم الأستاذ حميجد طولست
قبل الدخول في صلب موضوع الغبن الذي لحق
بأهل "فاس الجديد" من منظمي مهرجان الموسيقى الروحية ، والذي دفع بي لكتابة
هذه المقالة ، يجب التوضيح أن ساكنة الحي ليسوا معترضين على إقامة أي مهرجان فني ثقافي
وتكون له إضافات نوعية ، ويوفر الفرحة المطلوبة والسعادة المسلوبة ، وأن أيا منهم لا
يستطيع ، مهما كان انتماؤه السياسي وتوجهه الأيديولوجي إلا أن يفرح لأي مبادرة فنية
مثمرة ، وأي انجاز ثقافي جاد ، يحقق لمدينة فاس ، وحيه فاس الجديد الشهرة والتألق ،
كما هو حال المهرجان الموسيقى الروحية ، الذي ويلاقيه الساكنة بالفخر والترحاب والتشجيع
والمساندة ، إحقاقا للحقوق ، وتقديرا لضخامة المجهودات المبذولة لإنجاحه في جو من التناغم
ورقي الذوق والاعتزاز بما تزخر به فاس التاريخية من معالم وتراث إنساني خالد ، والذي
يظل التقدير مطلوبا للقائمين عليه ، والشكر واجبا لكل المساهمين في إقامته ، من
"اللجنة التنظيمية أو ولاية جهة فاس ـ مكناس، أو جماعة المشور ممثلة في باشاها
ومنتخبيها وكل جنود الخفاء الذين يقفون خلف الأستار.
ولكن –وما أقبح لكن هذه ، كما يقال- ورغم
أنه لا أحد من فعاليات حي فاس الجديد لم يعترض على مهرجان الموسيقى الروحية المقام
على فضاء يدخل ضمن أملاك جماعتهم ، لعدم شكهم في جداوه ومفعوليته ، وإيمانهم بصدق نوايا
منظميه ووطنيتهم وحماستهم وشغفهم بتنشيط السياحة الفنية المغربية وترقيتها وترقية الإنسان
و لتثقيف كمكون أساسي في العملية التنموية الشمولية والسبيل الوحيد على درب تنمية الشعوب،
وترسيخ مفاهيم المواطنة الصحيحة وجوهرها الأصيل ، إلا أن "الفاس جديديين"
مستاؤون من تعامل منظمي المهرجان –جمعية روح فاس- معهم بالعنصرية المقيتة الموروثة
، والمفاهيم الخاطئة الجائرة ، الراسخة في أذهان بعض أهل فاس مند غابر الزمان ، والذين
يعتبرون ، مع الأسف، أن أهل هذا الحي المغبون ، مواطنون من الدرجة الثانية ، لا يألفون
ولا يؤلفون ، بدو قساة جفاة ، لا يرقون إلى الإستفادة من مثل هذه التظاهرة .
لا شك أن هناك خللآ كبيرآ وخطيرآ يستحق
إطلالة على ما يعكسه المهرجان من مردودية مجتمعية ، والوقوف عندها بالتفصيل ، ما سيبرز
لامحالة ، أنه رغم انفتاح المهرجان على مدينة
فاس قاطبة ، ومخاطبته وجدان كافة ساكنتها واحتياجاتهم للفرح والفرجة والاحتفاء بهم
، إلا أن تهميشا ممنهجا وإقصاء مدبرا طال حي المشور فاس الجديد بكل مكوناته بما فيهم
ممثلي ساكنته ، وأنه رغم توزيع اللجنة المنظمة لبطائق ودعوات حضور المهرجان على مختلف
الجماعات والمقاطعات والباشاوات والقياد فإنها استثنت المشور بكل ما يزخر به من شخصيات فذة شباب مثالي يتمتع بحس إنساني يقظ
، وضمير متفتح ، وكأن أهل هذا الحي مواطنين
من الدرجة الثانية او الثالثة، أو غير مصنفين بالمرة ، أو أنهم أقل قيمة من طينة رواد
المهرجان ، لظروفهم الصعبة التي جعلتهم لا يمتلكون الأرصدة البنكية، ولا يرتدون الألبسة
الحريرية، ولا يتعطرون بالأطاييب والعطور الغالية، وينتعلون الأحذية المخملية الفاخرة
الصنع ، كما جاء في تساؤلات السيد حميد غزالي المنشورة على الفضاء الازرق ، بصفته مستشارا بمجلس جماعة المشور ، والمعروف
بإنتمائه الجنوني للحي ، وتضحيته من أجل الرقي به وتنميته ، والذي قال في احد تساؤلاته
بمرارة : "لفراجا في حد ذاتها لاتهم بقدر ما يهمنا استفادة ولو بعض أبناء فاس
الجديد من مهرجان يدر ارباحا بالملايين ، والجماعة رغم قلة مواردها وانعدام مواردها
...لا تستفيد ... بل وتدعم المهرجان بعشر ملايين سنتيم " .
للحقيقة والتاريخ المهرجان كان ناجحا ،
وكان سيكون أنجح لو انصف منظموه أبناء فاس الجديد وشاركوهم في بعض مزاياه ، خاصة أنهم
ركزوا في ندواتهم الصحفية بأن من بين غاياته ، تنمية الوطن ، وهم يعلمون أن الاحتفاء
بالحجر فقط لايصنع تنهية بمفهومها الشامل، لا يمكن أن تثمر نتائجها إلا من خلال الإنسان
المنتمي الذي يشعر بالأمن والأمان في وطنه وفي مهرجاناته.
وإلى اللقاء في مهرجان العام القادم الذي
نتمى أن تكون العقليات قد تبدلت واستوعبت المطلوب منها ، ومهما حصل فإننا لن نغير قناعتنا
نحو المهرجانات ، خلافا لبعض الأصوات الغريبة التي كانت تخرج علينا بين الحين والآخر
منادية بتحريم المهرجانات كلها دون سند شرعي، أو منطق عقلي ، منطلقين في مزاعمهم من
أنها في كثير من جوانبها ضرب من الخلاعة والمجون والاستهتار، و الانغماس في اللهو والملذات
المنافية للدين والمحطة بالقيم والمثل والأخلاق؛ ومع ذلك كانوا من بين محتفى بهم وفي
الصفوف الأولى ..
