بقلم : ابو ياسين
باب سبتة يفضح الجرح المفتوح ، لا تتحدث الصور فحسب، بل تصرخ. ومرة أخرى، لا تحتاج المأساة إلى تعليق طويل بقدر ما تحتاج إلى ضمير حي. شاب يحمل أمه على ظهره وسط موجات بشرية تتدفق نحو باب سبتة المحتلة، في مشهد يختصر سنوات من الإحباط والتهميش وفقدان الثقة في المستقبل. إنها صورة ستبقى شاهدة على لحظة فارقة في الوعي الجماعي المغربي.
ما وقع في محيط الفنيدق ليس مجرد حادث حدودي عابر، وليس مجرد محاولة هجرة جماعية يمكن اختزالها في أرقام وإحصائيات وتقارير أمنية. ما وقع هو إنذار سياسي واجتماعي مدوٍ، يعلن أن جزءاً من الشباب المغربي لم يعد يرى في وطنه الفرص التي تكفي لإقناعه بالبقاء، وأن لغة الوعود لم تعد قادرة على إخفاء قسوة الواقع.
لقد تحولت منطقة الشمال في الأيام الأخيرة إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق من مجرد تدفق بشري نحو الحدود. أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات، بين الشباب والخطاب السياسي، بين الانتظارات المشروعة والنتائج المحققة على الأرض. فحين يغامر الآلاف بمصيرهم في مشهد جماعي غير مسبوق، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية منعهم، بل لماذا وصلوا أصلاً إلى هذه المرحلة من اليأس.
الأخطر من كل ذلك أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية يبدو منفصلاً عن نبض الشارع. الأحزاب التي يفترض أن تكون صلة الوصل بين الدولة والمجتمع تحولت في نظر كثيرين إلى هياكل انتخابية موسمية، تظهر عند الاقتراع وتختفي عند الأزمات. أما الخطابات المطمئنة التي تتحدث عن الإنجازات والمؤشرات الإيجابية، فقد أصبحت عاجزة عن إقناع شاب يرى البطالة أمامه كل صباح، أو أسرة تكافح من أجل أبسط شروط العيش الكريم.
إن الدولة المغربية مطالبة اليوم بأكثر من مجرد تدبير أمني للأزمة. فالأمن يحمي الحدود، لكنه لا يصنع الأمل. والحواجز تمنع العبور، لكنها لا تمنع الإحباط. والمعالجة الحقيقية تبدأ عندما يصبح سؤال التشغيل والتعليم والكرامة والعدالة المجالية أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي ملف استراتيجي آخر.
وفي مثل هذه اللحظات الدقيقة، تتجه أنظار المواطنين إلى المؤسسة الملكية باعتبارها صمام أمان الأمة والمرجعية العليا للدولة. فالمغاربة ينتظرون مبادرات قوية تعيد الثقة وتبعث رسائل واضحة بأن الدولة تسمع صوت شبابها قبل أن تسمع ضجيج الأزمات. كما يزداد الحديث داخل الرأي العام عن ضرورة إطلاق دينامية وطنية جديدة موجهة للشباب، قادرة على استيعاب غضبهم وتطلعاتهم وإشراكهم في صناعة المستقبل.
إن مأساة باب سبتة ليست أزمة حدود فقط، بل أزمة أسئلة مؤجلة. أسئلة حول التنمية والعدالة الاجتماعية والتمثيلية السياسية والإنصاف الترابي. وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الشعوب لا تهاجر فقط بحثاً عن المال، بل بحثاً عن الأمل.
واليوم، يبدو أن أكبر معركة تواجهها الدولة ليست حماية الحدود الشمالية للمملكة، بل حماية ما تبقى من ثقة داخل قلوب شبابها. فحين يحمل شاب أمه على ظهره متجهاً نحو المجهول، فإن الوطن كله مطالب بالتوقف والتساؤل: أين أخطأنا؟ وكيف نعيد بناء الأمل قبل أن يصبح النزوح الجماعي لغة احتجاج جديدة؟
